[الأنعام: 143-144]. فسمى كل فرد من هذه الثمانية زوجا لأن معه مثله. هذا في جميع المخلوقات، أما في البشر فلم يقل زوجين، إنما قال ﴿ وأهلك ﴾ [المؤمنون: 27] أيا كان نوعهم وعددهم، لكن الأهلية هنا أهلية نسب، أم أهلية إيمانية؟ الأهلية هنا يراد بها أهلية الإيمان والاتباع، بدليل أن الله تعالى شرح هذه اللقطة في آية أخرى، فقال على لسان نوح عليه السلام:
فقال رب إن ابني من أهلي..
[هود: 45]. فقال له ربه:
إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح
[هود: 46] فبنوة الأنبياء بنوة عمل واتباع، فإن جاءت من صلبه فأهلا وسهلا، وإن جاءت من الغير فأهلا وسهلا.
" لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن سلمان الفارسي: " سلمان منا آل البيت " "
فقد تعدى أن يكون مسلما إلى أن صار واحدا من آل البيت. وكذلك أدخل فيها أهلك من النسب بدليل أنه استثنى منهم: ﴿ إلا من سبق عليه القول منهم ﴾ [المؤمنون: 27] وكان له امرأتان، واحدة كفرت به وخانته هي وولدها كنعان، والتي ذكرت في قول الله تعالى في سورة التحريم:
ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما..
[التحريم: 10]. وكنعان هو الذي قال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء وهذه اللقطة لم تذكر هنا لأن أحداث القصة جاءت مفرقة في عدة مواضع، بحيث لو جمعت تعطي الصورة العامة للقصة، فإن قلت: فلماذا لم تأت مرة واحدة كما في قصة يوسف عليه السلام؟ نقول: جاءت قصة يوسف كاملة في موضع واحد ليعطينا بها الحق - سبحانه وتعالى - نموذجا للقصة الكاملة المحبوكة التي تدل على قدرته تعالى على الإتيان بالقصة مرة واحدة لمن أراد ذلك، فإن أردتها كاملة فنحن قادرون على ذلك، وها هي قصة يوسف، إنما الهدف من القصص في القرآن هو تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى:
كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا
[الفرقان: 32] لأنه صلى الله عليه وسلم سيقابل مواقف تكذيب وعداء وعناد من قومه، وسيتعرض لأزمات شديدة ويحتاج إلى ما يسليه ويثبته أمام هذه الأحداث. لذلك جاءت لقطات القصص القرآني في عدة مواضع لتسلية رسول الله، والتخفيف عنه كلما تعرض لموقف من هذه المواقف، وبجمع هذه اللقطات المتفرقة تتكون لديك القصة الكاملة المستوية. وقد أدخل نوح معه زوجته الأخرى المؤمنة وأولاده: سام وحام ويافث وزوجاتهم، فهؤلاء ستة ونوح وزوجه فهم ثمانية، ومعهم اثنان وسبعون من المؤمنين وأصول الإيمان الباقي مع نوح عليه السلام. ولما كان الحكم بغرق من كفر من أهله أمرا لا استئناف فيه، قال تعالى بعدها:
ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون
[هود: 37] لكن ظلموا من؟ ظلموا أنفسهم حين كفروا بالله، والحق سبحانه يقول:
إن الشرك لظلم عظيم
[لقمان: 13]. صحيح أنت حين كفرت أخذت حق الله في أنه واحد أحد موجود، وإله لا معبود غيره، وأعطيته لغيره، لكن هذا الظلم لم يضر الله تعالى في شيء إنما أضر بك وظلمت به نفسك، ومنتهى الحمق والسفه أن يظلم الإنسان نفسه. ثم يقول سبحانة: ﴿ فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله... ﴾.