ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله..
[لقمان: 25]. ويقول:
ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله..
[الزخرف: 87]. فما دام هو سبحانه خالقكم ورازقكم وخالق السماوات والأرض، فلماذا تعصونه؟ وهل نقص عصيانكم من ملكه شيئا؟ وهل زاد في ملكه شيء بطاعة من أطاع؟ هل زاد في ملك الله بطاعة الطائعين أرض أو سماء، أو شمس أو قمر؟ إن الحق سبحانه قبل أن يخلقكم خلق لكم بصفات الكمال فيه كل مقومات حياتكم واستدعاكم إلى كون معد لاستقبالكم ولمعيشتكم. إذن: فربك - عز وجل - لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية. لذلك يقول في الحديث القدسي:
" يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم وشاهدكم وغائبكم اجتمعوا في صعيد واحد، وسألني كل واحد مسألته فأعطيتها له ما نقص ذلك مما عندي إلا كمغرز إبرة أحدكم إذا غمسه في البحر، وذلك أني جواد واجد ماجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له: كن فيكون ".
إذن: حين تطيعني فالخير لك لأنك ضمنت بهذه الطاعة حياة أخرى خالدة باقية بعد هذه الحياة الفانية التي مهما أترفت فيها فهي إلى زوال، فإما أن تفوت نعيمها بالموت، وإما أن يفوتك بالحاجة والفقر، أما في الآخرة فالنعيم دائم باق لا يفوتك ولا تفوته لأنها نعمة لا مقطوعة ولا ممنوعة. لذلك قال سبحانه:
وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون
[العنكبوت: 64] فكأن عطاء الألوهية ربوبية متعدية إلى زمن آخر غير زمن الدنيا، فلا تظن أن طاعتك ستفيدني في شيء، أو أن معصيتك ستضرني بشيء، ومن هنا قال تعالى:
وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون
[النحل: 118]. وقوله تعالى: ﴿ ما لكم من إله غيره ﴾ [المؤمنون: 23] أي: معبود غيره ﴿ أفلا تتقون ﴾ [المؤمنون: 23] هذا استفهام يحمل معنى التهديد والتوبيخ، لكن كيف يوبخهم وهو لم يزل في مرحلة الأمر بعبادة الله، ولم يسمع منهم بعد بوادر الطاعة أو العصيان؟ قالوا: يبدو أنه رأى منهم إعراضا فأمرهم بتقوى الله. والتقوى معناها أن تجعل بينك وبين ربك وقاية تقيك صفات جبروته وقهره وتحميك من أسباب بطشه وانتقامه، فلست مطيقا لهذه الصفات. والوقاية التي تجعلها بينك وبين هذه الصفات هي أن تنفذ منهج الله بطاعة الأوامر واجتناب النواهي. ومن عجيب تركيبات التقوى في القرآن الكريم أن يقول سبحانه:
واتقوا الله
[البقرة: 194] ويقول:
فاتقوا النار..
[البقرة: 24] قالوا: نعم اتق الله، واتق النار لأنك تتقي الله من متعلقات صفات قهره وغضبه ومنها النار، فحين تتقي الله بالمنهج فقد اتقيت النار أيضا. ثم يقول سبحانه: ﴿ فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم... ﴾.