نعود إلى قول الله تعالى: ﴿ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه.. ﴾ [المؤمنون: 23] القوم: هم الرجال، خاصة من المجتمع، وليس الرجال والنساء، بدليل قوله تعالى:
يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا منهن..
[الحجرات: 11] فالنساء في مقابل القوم أي: الرجال. ومن ذلك قول الشاعر:
وما أدري وسوف أخال أدري
أقوم آل حصن أم نساء
لكن هل أرسل نوح عليه السلام إلى الرجال دون النساء؟ أرسل نوح إلى الجميع، لكن ذكر القوم لأنهم هم الذين سيحملون معه أمر الدعوة ويسيحون بها، ويبلغونها لمن لهم ولاية عليهم من النساء، والرجال منوط بهم القيام بمهام الأمور في عمارة الكون وصلاحه. والإضافة في ﴿ قومه.. ﴾ [المؤمنون: 23] بمعنى اللام يعني: قوم له لأن الإضافة تأتي بمعنى من مثل: أردب قمح يعني من قمح، وبمعنى في مثل: مكر الليل يعني في الليل، وبمعنى اللام مثل: قلم زيد يعني لزيد. فالمعنى هنا: قوم له لأنه منهم ومأمون عليهم ومعروف لهم سيرته الأولى، فإذا قال لهم لا يتهمونه، إذن: فمن رحمة الله بالخلق أن يرسل إليهم واحدا منهم، كما قال سبحانه:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم..
[التوبة: 128] ففي هذا إيناس وإلف للقوم على خلاف ما إن كان الرسول ملكا مثلا، فإن القوم يستوحشونه ولا يأنسون إليه. لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يسمى بين قومه وقبل بعثته بالصادق الأمين لأنه معروف لهم ماضيه وسيرته ومقومات حياته تشجع على أن يصدقوه فيما جاء به، وكيف يصدقونه في أمر الدنيا، ولا يصدقونه في البلاغ عن الله؟ إذن: ﴿ إلى قومه ﴾ [المؤمنون: 23] أننا لم نأت لكم برسول من جنس آخر، ولا من قبيلة أخرى، بل منكم، وتعرفون ماضيه وتاريخه، فتأنسون بما يجيء به، ولا تقفون منه موقف العداء. أو يكون المعنى: إلى قوم منه لأنهم لا يكونون قوما قوامين على شئون إصلاح الحياة، إلا إذا استمعوا منهجه، فهم منه لأنهم سيأخذون منه منهج الله. ثم يقول سبحانه: ﴿ فقال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.. ﴾ [المؤمنون: 23] يا قوم استمالة وتحنين لهم ﴿ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.. ﴾ [المؤمنون: 23] والعبادة طاعة عابد لأمر معبود، والعبادة تقتضي تكليفا بأمر ونهي. فالألوهية تكليف وعبادة، أما الربوبية فعطاء وتربية لذلك قال سبحانه
هو ربكم وإليه ترجعون
[هود: 34] أي: ربكم جميعا: رب المؤمن، ورب الكافر، رب الطائع، ورب العاصي. وكما قلنا: الشمس والقمر والأرض والمطر.. الخ كلها تخدم الجميع، لا فرق بين مؤمن وكافر لأن ذلك عطاء الربوبية، وإن سألت الكافر الجاحد: من خلقك؟ من رزقك؟ فلن يملك إلا أن يقول: الله، إذن: فليخز هؤلاء على أعراضهم، وليعلموا أنه تعالى وحده المستحق للطاعة وللعبادة.
فمقتضيات الربوبية والإيمان بها تقتضي أن نؤمن بالألوهية. كما أن الطفل الصغير ينشأ بين أبيه وأمه ويشب، فلا يجد غيرهما يخدمه ويقضي حاجته ويوفر متطلباته، بل ويزيل عنه الأذى ويسهر على راحته. كل ذلك بروح سعيدة ونفس راضية مطمئنة، ربما يجوعان لتشبع، ويعريان لتكسى، ويحرمان نفسيهما ليوفرا لك الحياة الكريمة، فإذا ما كبر الصغير وبلغ الحلم ومبلغ الرجال نجده يعقهما، ويخرج عن طاعتهما، ويأخذه من أحضانهما أصدقاء السوء، ويزينون له التمرد على أبيه وأمه. ونقول لمثل هذا العاق: اخز على عرضك واستح، فليس هكذا يكون رد الجميل، وأين كان هؤلاء الأصدقاء يوم أن كنت صغيرا تحتاج إلى من يعولك ويميط عنك الأذى، ويسهر على راحتك؟ قد كان ينبغي عليك ألا تسمع إلا لمن أحسن إليك. وهذا مثال لتوحيد الألوهية وتوحيد الربوبية - ولله المثل الأعلى - فكيف تأخذ من ربك عطاء الربوبية، ثم تتمرد عليه سبحانه في الألوهية، فتعصي أمره وتكفر بنعمه؟ كان من الواجب عليك الوفاء للنعمة. ولا بد أن تعلم أن ربك - عز وجل - مأمون عليك في التكليف بالأمر والنهي، لأنك عبده وصنعته، وأنك حين تؤدي ما عليك تجاه الألوهية لا ينتفع الله سبحانه من ذلك بشيء، إنما تعود منفعتها عليك، وهكذا إذا ما رددت أمور الطاعة والعبادة والتكاليف لوجدتها تعود في النهاية أيضا إلى عطاء الربوبية لأنها تعود عليك أنت بالنفع. فنحن نأخذ الأوامر والنواهي على أنها تكاليف وأعباء يقتضيها الإيمان بالألوهية، نقول: نعم هي تكاليف من الله لكن لصالحك، فلو أنصفت لوجدت الألوهية من الربوبية، فحين يحرم مثلا عليك شرب الخمر ويحميك من فساد العقل، هل ينتفع سبحانه من ذلك بشيء؟ لذلك يقول تعالى عن هؤلاء: