تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لو نشآء لجعلناه حطاما..

[الواقعة: 65] حتى لا يراودك الغرور بعملك. أما في الحديث عن الماء - وليس للإنسان دخل في تكوينه - فلا حاجة إلى تأكيد الفعل كسابقه، فيقول تعالى:

لو نشآء جعلناه أجاجا..

[الواقعة: 70] دون توكيد لأن الإنسان لا يدعي أن له فضلا في هذا الماء الذي ينهمر من السماء. نعود إلى المؤمن الذي ينصح صاحبه الكافر، ويعلمه كيف يستقبل نعمة الله عليه:

ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شآء الله لا قوة إلا بالله..

[الكهف: 39] ﴿ لولا ﴾ بمعنى: هلا وهي للحث والتحضيض، وعلى الإنسان إذا رأى ما يعجبه في مال أو ولد حتى لو أعجبه وجهه في المرآة عليه أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وفي الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" ما قيل عند نعمة: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، إلا ولا ترى فيها آفة إلا الموت ".

فساعة أن تطالع نعمة الله كان من الواجب عليك ألا تلهيك النعمة عن المنعم، كان عليك أن تقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، أي: أن هذا كله ليس بقوتي وحيلتي، بل فضل من الله فترد النعمة إلى خالقها ومسديها، وما دمت قد رددت النعمة إلى خالقها فقد استأمنته عليها واستحفظته إياها، وضمنت بذلك بقاءها. وذكرنا أن سيدنا جعفر الصادق - رضي الله عنه - كان عالما بكنوز القرآن، ورأى النفس البشرية، وما يعتريها من تقلبات تعكر عليها صفو الحياة من خوف أو قلق أو هم أو حزن أو مكر، أو زهرة الدنيا وطموحات الإنسان فيها.

فكان رضي الله عنه يخرج لهذه الداءات ما يناسبها من علاجات القرآن، فكان يقول في الخوف: " عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قول الله تعالى:

حسبنا الله ونعم الوكيل

[آل عمران: 173] فإني سمعت الله بعقبها يقول:

فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء

[آل عمران: 174]. وعجبت لمن اغتم - لأن الغم انسداد القلب وبلبلة الخاطر من شيء لا يعرف سببه - وعجبت لمن اغتم ولم يفزع إلى قول الله تعالى:

لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين

[الأنبياء: 87] فإني سمعت الله بعقبها يقول:

فاستجبنا له ونجيناه من الغم..

[الأنبياء: 88] ليس هذا وفقط، بل:

وكذلك ننجي المؤمنين

[الأنبياء: 88] وكأنها وصفة عامة لكل مؤمن، وليست خاصة بنبي الله يونس عليه السلام. فقول المؤمن الذي أصابه الغم:

لا إله إلا أنت..

[الأنبياء: 87] أي: لا مفزع لي سواك، ولا ملجأ لي غيرك

إني كنت من الظالمين..

[الأنبياء: 87] اعتراف بالذنب والتقصير، فلعل ما وقعت فيه من ذنب وما حدث من ظلم لنفسي هو سبب هذا الغم الذي أعانيه. وعجبت لمن مكر به، كيف لا يفزع إلى قول الله تعالى:

وأفوض أمري إلى الله..

[غافر: 44] فإني سمعت الله بعقبها يقول:

فوقاه الله سيئات ما مكروا..

[غافر: 45] فالله تبارك وتعالى هو الذي سيتولى الرد عليهم ومقابلة مكرهم بمكره سبحانه، كما قال تعالى:

ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين

[آل عمران: 54]. وعجبت لمن طلب الدنيا وزينتها - صاحب الطموحات في الدنيا المتطلع إلى زخرفها - كيف لا يفزع إلى قول الله تعالى: ﴿ ما شآء الله لا قوة إلا بالله.. ﴾ [الكهف: 39] فإني سمعت الله بعقبها يقول:

فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك..

[الكهف: 40] فإن قلتها على نعمتك حفظت ونمت، وإن قلتها على نعمة الغير أعطاك الله فوقها. والعجيب أن المؤمن الفقير الذي لا يملك من متاع الدنيا شيئا يدل صاحبه الكافر على مفتاح الخير الذي يزيده من خير الدنيا، رغم ما يتقلب فيه من نعيمها، فمفتاح زيادة الخير في الدنيا ودوام النعمة فيها أن نقول: ﴿ ما شآء الله لا قوة إلا بالله ﴾ [الكهف: 39]. ويستطرد المؤمن، فيبين لصاحبه ما عيره به من أنه فقير وهو غني، وما استعلى عليه بماله وولده: ﴿ إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا ﴾ [الكهف: 39]. ثم ذكره بأن الله تعالى قادر على أن يبدل هذا الحال، فقال: ﴿ فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٩١