وحلوا أساور من فضة..
[الإنسان: 21]. ومرة أخرى يقول:
يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير
[فاطر: 33]. فالأساور إما من ذهب أو فضة أو لؤلؤ لذلك قال صلى الله عليه وسلم عن هذه الحلية في الآخرة أنها تبلغ ما بلغه الوضوء عند المؤمن.
ونلحظ في قوله تعالى:
يحلون فيها من أساور من ذهب..
[الكهف: 31] أن التحلية هنا للزينة، وليست من الضروريات، فجاء الفعل ﴿ يحلون ﴾ أي: حلاهم غيرهم ولم يقل يتحلون لذلك لما تكلم بعدها عن الملبس، وهو من الضروريات قال: ﴿ ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق.. ﴾ [الكهف: 31]. فأتى بالفعل مبنيا للمعلوم لأن الفعل حدث منهم أنفسهم بالعمل، أما الأولى فكانت بالفضل من الله، وقد قدم الفضل على العمل، كما قال تعالى في آية أخرى:
قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا..
[يونس: 58]. أي: إياك أن تقول هذا بعملي، بل بفضل الله وبرحمته لذلك نرى الرسول صلى الله عليه وسلم يقر بهذه الحقيقة، فيقول:
" لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ".
ذلك لأنك لو نظرت إلى عملك لوجدته بعد تكليفك الذي كلفت به في سن البلوغ، وقد عشت طوال هذه المدة ترتع في نعم الله ورزقه دون أن يكلفك بشيء لذلك مهما قدمت لله تعالى من طاعات، فلن تفي بما أنعم به عليك. وما تفعله من طاعات إنما هو وفاء لحق الله، فإذا أدخلناك الجنة كان فضلا من الله عليك، لأنك أخذت حقك سابقا ومقدما في الدنيا، لكنه قسم هنا فقال: ﴿ يلبسون.. ﴾ [الكهف: 31] أي: بما عملوا، أما في الزينة والتحلية فقال: ﴿ يحلون ﴾ كالرجل الذي يجهز ابنته للزواج، فيأتي لها بضروريات الحياة، ثم يزيدها على ذلك من الكماليات وزخرف الحياة من نجف أو سجاد أو خلافه. واللباس من ضروريات الحياة التي امتن الله بها على عباده، كما جاء في قوله تعالى:
يابني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا..
[الأعراف: 26] والريش: هو الكماليات التي يتخذها الناس للفخفخة والمتعة، وهو ما زاد عن الضروريات. والسندس: هو الحرير الرقيق، والإستبرق: الحرير الغليظ السميك. وقد وقف العلماء عند هذه الكلمة ﴿ إستبرق ﴾ وغيرها من الكلمات غير العربية مثل: القسطاس، وهي كلمات فارسية الأصل، أو كلمة آمين التي نتخذها شعارا في الصلاة وأصلها يمني أو حبشي. وقالوا: كيف يستخدم القرآن مثل هذه الألفاظ، وهو قرآن عربي؟ نقول: هل أدخل القرآن هذه الألفاظ في لغة العرب ساعة نزل، أم جاء القرآن وهي سائرة على ألسنة الناس يتكلمون بها ويتفاهمون؟ لقد عرف العرب هذه الكلمات واستعملوها، وأصبحت ألفاظا عربية دارت على الألسنة، وجرت مجرى الكلمة العربية. ومن الكلمات التي دخلت العربية حديثا استخدمت ككلمة عربية بنك، وربما كانت أخف في الاستعمال من كلمة مصرف لذلك أقرها مجمع اللغة العربية وأدخلها العربية.
إذن: فهذا القول يمكن أن يقبل لو أن القرآن جاء بهذه الألفاظ مجيئا أوليا، وأدخلها في اللغة ولم تكن موجودة، لكن القرآن جاء ليخاطب العرب، وما داموا قد فهموا هذه الألفاظ وتخاطبوا بها، فقد أصبحت جزءا من لغتهم. ثم يقول تعالى: ﴿ متكئين فيها على الأرآئك.. ﴾ [الكهف: 31] الاتكاء: أن يجلس الإنسان على الجنب الذي يريحه، والأرائك: هي السرر التي لها حلية مثل الناموسية مثلا. ﴿ نعم الثواب.. ﴾ [الكهف: 31] كلام منطقي: ﴿ وحسنت مرتفقا ﴾ [الكهف: 31] أي: أن هذا هو مقتضى الحال فيها، على خلاف ما أخبر به عن أهل النار:
وسآءت مرتفقا
[الكهف: 29]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ واضرب لهم مثلا رجلين... ﴾.