الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان
[الرحمن: 1-4]. فتعليم القرآن جاء قبل خلق الإنسان، إذن: وضع الحق سبحانه لعباده المنهج المنظم لحياتهم قبل أن يخلقهم، لعلمه سبحانه بطبيعة خلقه، وبما يصلحهم، كالمخترع للآلة الذي يعلم مهمتها ويحدد قانون صيانتها، فالكتاب الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو المهمة الأساسية، فيجب أن توطن عليها نفسك، وتعلم أنه المنظم لحياتك، وبه قانون صيانتك.
وقوله: ﴿ على عبده.. ﴾ [الكهف: 1] كما قلنا: في سورة الإسراء: إن العبودية كانت حيثية الرفعة في الإسراء والمعراج، فقال سبحانه:
سبحان الذي أسرى بعبده..
[الإسراء: 1]. فالعبودية رفعته إلى حضرته تعالى لأنه كان عبدا بحق، وهذا يعني إنزال الكتاب عليه، فكان عبدا بحق قبل أن يسرى به، وحمل منهج الله أولا فالتفت لربه لفتة أراد أن يلفت بها سواه، فأخلص هو أولا في العبودية، وتحمل ما تحمل، فكان من جزائه أن يرتفع إلى مقام الحضرة فعرج به، وهناك أعطاه الله الصلاة لينزل بها إلى الخلق ليرفع بها صوته إلى المقام الذي سعى إليه بالمعراج. إذن: فالنبي تناول ليناول، وتناول لأنه أخلص العبودية، فصعد إلى حضرة ربه، وأخذ فريضة الصلاة وبلغها لقومه، وكأنه يقول لهم: من أراد أن يلتقي بالله، فليدخل في الصلاة. و ﴿ الكتاب.. ﴾ [الكهف: 1] هو القرآن الكريم، لكن سورة الكهف ترتيبها الثامنة عشرة بين سور المصحف من المائة والأربعة عشرة سورة، أي: أن القرآن لم يكتمل بعد، فلماذا قال تعالى ﴿ الكتاب ﴾ وهو لم يكتمل بعد؟ نقول: الكتاب يطلق ويراد به بعضه، كما في قوله تعالى:
فإذا قرأناه فاتبع قرآنه
[القيامة: 18] فالآية الواحدة تسمى قرآنا، والسورة تسمى قرآنا، والكل نسميه قرآنا. أو: يكون المراد أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ، ثم نزله بعد ذلك منجما حسب الوقائع، فالمراد هنا الإنزال لا التنزيل. وقوله تعالى: ﴿ ولم يجعل له عوجا ﴾ [الكهف: 1] أي: جعله مستقيما، لا عوج فيه، كما قال في آية أخرى:
قرآنا عربيا غير ذي عوج..
[الزمر: 28] والاعوجاج، أن يأخذ الشيء امتدادا منحنيا ملتويا، أما الاستقامة فهي الامتداد في نفس الاتجاه، لا يميل يمينا أو شمالا، ومعلوم أن الخط المستقيم يمثل أقرب مسافة بين نقطتين، ولا تستقيم حياة الناس في الدنيا إلا إذا ساروا جميعا على منهج مستقيم يعصمهم من التصادم في حركة الحياة. فالحق سبحانه وتعالى خلق الخلق متكاملين، فكل منهم لديه موهبة يحتاجها الآخرين، فهذا طبيب، وهذا مهندس، وهذا نجار، وهذا خياط، ولا يستطيع أحد أن يقوم بذاته أو يستغني عن مواهب غيره، فلا بد أن يتواجه الناس في الحياة، وأن يتكاملوا. هذا التواجه إن لم ينظم وتوضع له قوانين مرور دقيقة لتصادمت حركات الناس، كما يحدث على الطريق الملتوي كثير المنحنيات، فالقادم من هنا لا يرى القادم من هناك، فيحدث التصادم. إذن: لا بد من استقامة الطريق ليرى كل منا الآخر، فلا يصطدم به. والمنهج الإلهي هو الطريق المستقيم الذي يضمن الحركة في الحياة. وقد ذكر الاعوجاج أيضا في قوله تعالى:
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا أمتا
[طه: 105-107]. أي: أرضا مستوية خالية من أي شيء
لا ترى فيها عوجا
[طه: 107] أي: مستقيمة
ولا أمتا
[طه: 107]. أي: مستوية لا يوجد بها مرتفعات ومنخفضات تعوق الرؤية أيضا وتسبب التصادم، وهذا ما يسميه رجال المرور العقبة. ثم يقول الحق سبحانه واصفا القرآن الكريم: ﴿ قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين... ﴾.