تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لعمرك مايغني الثراءُ عن الفتى

إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

فنظر إليّ كالغضبان، ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن قول الله أصدق ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (سورة ق، آية:19). ثم قال: ياعائشة: إنه ليس أحد من أهلي أحبَّ إليَّ منك، وقد كنت نحلتك حائطاً (1)، وإن في نفسي منه شيئاً فردِّيه الى الميراث. قالت: نعم فرددته. وقال - رضي الله عنه -: أما إنّا منذ وُلّينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهماً، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن الى عمر، وابرئي منهن ففعلت، فلما جاء الرسول الى عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض، ويقول: رحم الله أبابكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبابكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبابكر، لقد أتعب من بعده (2). وقد جاء في رواية: أن أبابكر لما حضرته الوفاة قال: إن عمر لم يدعني حتى أصبت من بيت المال ستة آلاف درهم، وإن حائطي الذي بمكان كذا فيها، فلما توفي ذكر ذلك لعمر فقال: يرحم الله أبابكر، لقد أحب أن لايدع لأحد بعده مقالاً (3).

ويظهر من هذه المواقف ورعُ الصديق في المال العام، فقد ترك هذا الخليفة العظيم تجارته وتخلى عن ذرائع كسبه اشتغالاً عنها بأمور المسلمين وقياماً بوظائف الخلافة, فيضطر الى أخذ نفقته من بيت المال بما لايزيد عن الحاجة إلى

(1) حائطاً: وفي رواية جَداد وهي بمعنى قطع ثمرة النخل (صفة الصفوة، 1/ 266).

(2) الطبقات لابن سعد (3/ 146،147) رجاله ثقات.

(3) المنتظم لابن الجوزي (4/ 127)؛ وأصحاب الرسول (1/ 105).

من بساتين الكتب · الصفحة ٣٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من بساتين الكتبص ٣٢٦