تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه

[المجادلة: 22].

الثالث: جبريل كقوله تعالى:

نزل به الروح الأمين * على قلبك

[الشعراء: 193-194] وقال تعالى:

قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله

[البقرة: 97] وهو روح القدس، قال تعالى:

قل نزله روح القدس

[النحل: 102].

الرابع: الروح التي سأل عنها اليهود فأجيبوا بأنها من أمر الله. وقد قيل إنها الروح المذكورة في قوله تعالى:

يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون

[النبأ: 38] وإنها الروح المذكورة في قوله:

تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم

[القدر: 4].

الخامس: المسيح عيسى ابن مريم. قال تعالى:

إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه

[النساء: 171] أما أرواح بني آدم فلم تقع تسميتها بالقرآن إلا بالنفس، قال تعالى:

يأيتها النفس المطمئنة

[الفجر: 27] وقال:

ولا أقسم بالنفس اللوامة

[القيامة: 2] وقال:

إن النفس لأمارة بالسوء

[يوسف: 53] وقال:

أخرجوا أنفسكم

[الأنعام: 93] وقال:

ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها

[الشمس: 7-8] وقال:

كل نفس ذآئقة الموت

[آل عمران: 185].

وأما في السنة فجاءت بلفظ النفس والروح. انتهى.

قال ابن كثير: رواية عبد الله في الصحيح المتقدمة، تقتضي فيما يظهر ببادئ الرأي، أن هذه الآية مدنية. وأنها إنما أنزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة. مع أن السورة كلها مكية. وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية. كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك. أو إنه نزل عليه الوحي بأنه يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ انتهى.

وقد روى ابن جرير عن قتادة: أن الروح في الآية هو جبريل عليه السلام. وحكاه عن ابن عباس.

أقول: الذي أراه متعينا في الآية، لسابقها ولاحقها، أن المراد بالروح الوحي بالقرآن، وهو قريب من قول قتادة. ووجه تعينه أن هذه الآية في سياق ذكر القرآن وتنزيله والمنة بكونه شفاء ورحمة، وقد سمى تعالى الوحي بالقرآن روحا: قال تعالى:

وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا

[الشورى: 52] وقال تعالى:

يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده

[غافر: 15] فكانوا إذا سمعوا الروح، وصدعوا بالإيمان به، يتعنتون في السؤال عنه، استبعادا لأن يكون من لدنه سبحانه، ولأن يكون بشر مثله مبعوثا بأمره تعالى أن يبين لهم أنه وحي أوحاه الله، وأنه روح من لدنه، وإلقاء من أمره. ونظير هذه الآية قوله تعالى:

ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي

[يونس: 53] وقوله تعالى:

عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم * الذي هم فيه مختلفون

[النبأ: 1-3] أي: بعضهم ينكره وبعضهم يتردد في صحته. وذلك لأنهم قوم جاهليون، لا عهد لهم بالعلوم والمعارف، فضلا عن الوحي وخصائص النبوة، للأمية والجهالة الفاشيتين فيهم. كما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿ ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا ﴾ أي: مما تناله مشاعركم وتصل إليه فطنكم. وما هو في جنب معلومات لا تحصى، إلا كالقطرة من البحر والذرة من الكثيب. والقاعدة أن القرآن متجاوب الأطراف، يفسر بعضه بعضا.

وجميع ما ذكره المتقدمون، غير ما ذكرناه، جري مع ما يحتمله نظم الآية الكريمة. وكذا رواية ابن مسعود أنه أجيب بها اليهود؛ لأنها لما كان لها وجوه من المعاني، ومنها ما سألوا عنه، ألقموا بها. والله سبحانه وتعالى أعلم.

ثم أشار تعالى إلى نعمته فيما أوحاه من هذا التنزيل والهداية به، بقوله سبحانه:

﴿ ولئن شئنا لنذهبن بالذي... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ١٨٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٨٥٤