تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17.17

﴿ وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح ﴾ أي: وكثيرا ما أهلكنا من الأمم الكافرة من بعد زمن نوح، كعاد وثمود وفرعون ممن قصت أنباؤهم في القرآن العظيم ومن لم تقص. و (القرون) جمع قرن يطلق على الزمن المعين وعلى أهله المقترنين فيه. وعلى كل أمة هلكت فلم يبق منها أحد. وخص: ﴿ نوح ﴾ ولم يقل: (من بعد آدم) لأنه أول رسول آذاه قومه فاستأصلهم العذاب. ففيه تهديد وإنذار للمشركين.

﴿ وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء منها. فيدرك سرها وعلنها وسيجازي عليها.

والآية تدل - كما قال الزمخشري -: على أن الذنوب هي أسباب الهلكة، وذلك لأنه لما عقب إهلاكهم بعلمه بالذنوب علما أتم، دل على أنه جازاهم بها.

17.18-19

﴿ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ﴾.

أي من كان طلبه الدنيا العاجلة، ولها يعمل ويسعى، وإياها يبتغي. لا يوقن بمعاد ولا يرجو ثوابا ولا عقابا من ربه على عمله، عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد. أي: ما نشاؤه من بسط الدنيا عليه أو تقتيرها لمن أراد الله أن يفعل به ذلك. أو من إهلاكه بما يشاء تعالى من عقوباته المعجلة. ثم يصلى جهنم في الآخرة مذموما على قلة شكره لمولاه، وسوء صنيعه فيما سلف له. مدحورا مطرودا من الرحمة، مبعدا مقصيا في النار. ومن أراد الآخرة وإياها طلب، ولها عمل عملها الذي هو طاعة الله وما يرضيه عنه، فأولئك كان عملهم مشكورا بحسن الجزاء.

تنبيه

قال القفال رحمه الله: هذه الآية داخلة في معنى قوله:

وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه

[الإسراء: 13] فالآية الأولى تشير إلى من جعل طائر نفسه شؤما. والثانية لمن جعله يمنا وخيرا. وفي قوله تعالى: ﴿ وسعى لها سعيها ﴾ أي: ما يحق ويليق بها من الأعمال الصالحة، تبيين لقوله: ﴿ ومن أراد الآخرة ﴾ بأن إرادتها هو بالسعي والنصب في مغالبة الباطل وإعلاء شأن الحق مع التلبس بالإيمان الصحيح، بفعل المأمور واجتناب المنهي عنه.

محاسن التأويل · الصفحة ١٨١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٨١٤