17.85
﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ قال القاشاني: أي: الذي يحيا به بدن الإنسان ويدبره ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ أي: ليس من عالم الخلق حتى يمكن تعريفه للظاهريين البدنيين، الذين يتجاوز إدراكهم الحس والمحسوس، بالتشبيه ببعض ما شعروا به، والتوصيف. بل من عالم الأمر، أي: الإبداع الذي هو عالم الذوات المجردة عن الهيولي، والجواهر المقدسة عن الشكل واللون والجهة والأين. فلا يمكنكم إدراكه أيها المحجوبون بالكون، لقصور إدراككم وعلمكم عنه ﴿ ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا ﴾ هو علم المحسوسات. وذلك شيء نزر حقير بالنسبة إلى علم الله تعالى والراسخين في العلم - هذا ما قاله القاشاني - وحاصل الجواب عليه: أن الروح موجود محدث بأمره تعالى بلا مادة، وتولد من أصل كأعضاء الجسد، حتى يمكن تعريفه ببعض مبادئه، بل هو من عالم الأمر لا من عالم الخلق. فيكون الاقتصار في الجواب على قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ كما اقتصر موسى في جواب قول فرعون:
وما رب العالمين
[الشعراء: 23] على قوله:
رب السموت والأرض
[الشعراء: 24] إعلاما بأن إدراكه بالكنه على ما هو عليه لا يعلمه إلا الله تعالى. وأنه شيء بمفارقته يموت الإنسان وبملازمته له يبقى. كما أومأ إليه قوله تعالى: ﴿ ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا ﴾ أي: علما قليلا تستفيدونه من طرق الحواس. وهو هذا القدر الإجمالي.
قال الشهاب. والسؤال - على هذا - عن حقيقتها. والجواب إجمالي بأنها من المبدعات من غير مادة، ولذا قيل: إنه من الأسلوب الحكيم. كما في قوله:
يسألونك عن الأهلة
[البقرة: 189] إشارة إلى أن حقيقتها لا تعلم، وإنما يعلم منها هذا المقدار. فالمراد ب (الأمر) على هذا التفسير (قول كن) ولذا قالوا لمثله: عالم الأمر. انتهى.
قال أبو السعود عليه الرحمة: وليس هذا من قبيل قوله سبحانه:
إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون
[يس: 82] فإن ذلك عبارة عن سرعة التكوين. سواء كان الكائن من عالم الأمر أو من عالم الخلق. بل إنه من الإبداعيات الكائنة بمحض الأمر التكويني من غير تحصل من مادة. وحكى، عليه الرحمة، قولا آخر وهو: أن الأمر بمعنى الشأن. قال: والإضافة للاختصاص العلمي لا الإيجادي، لاشتراك الكل فيه. وفيها من تشريف المضاف ما لا يخفى. كما في الإضافة الثانية من تشريف المضاف إليه. أي: هو من جنس ما استأثر الله بعلمه من الأسرار الخفية التي لا يكاد يحوم حولها عقول البشر. وعليه، ف (من) بيانية أو تبعيضية. ويكون نهيا لهم عن السؤال عنها، وتركا للبيان. وهذا رأي كثيرين. أمسكوا عن الخوض فيها، وقالوا: إنها شيء استأثر الله بعلمه ولم يطلع أحدا من خلقه. فلا يجوز البحث عنها بأكثر من أنها شيء موجود، بل غلا بعضهم وقال: إن الإفاضة في بحث الروح بدعة في الدين.
إذا لم يبينه الله لرسوله بأكثر مما في الآية. فالاشتغال بالتفتيش عنه غلو فيما لم يرد به قرآن ولم يقم عليه برهان، وما كان كذلك فهو عناد.
وأجاب الخائضون في بحثها؛ بأن الآية لا يدل معناها على ما ذكر دلالة قطعية، ولا دلالة فيها على المنع من الخوض فيها، ولا على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلمها. وغاية الأمر أنه أمر بترك الجواب عنها تفصيلا. إما لأن الإمساك عن ذلك كان عند اليهود السائلين عنها، من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، أو لأن سؤالهم تعنتا. فإنها تطلق على معان: منها الراحة وبرد النسيم. وعلى جبريل والقرآن وعيسى عليه السلام والحياة والقلب والرحمة وغير ذلك. فأضمروا على أنه إذا أجاب بأحد هذه الأمور، قالوا: لم نرده، وإنما أردنا كذا.
ثم الأقاويل فيها من الحكماء والعلماء الأقدمين مختلفة. ولا يتم الجواب في محل الخلاف. فأتي بالجواب مجملا على وجه يصدق على كل من ذلك مرموزا، ليعلمه العلماء بالله. واقتضت المصلحة العامة منع الكلام فيه لغيرهم؛ لأن الأفهام لا تحتمله. خصوصا على طريقة الحكماء إذ من غلب على طبعه الجمود لا يقبله ولا يصدق به في صفة الباري. فكيف يصدق به في حق الروح الإنساني. بل قال بعض المدققين: إن في الآية الجواب ببيان حقيقتها، وأنها من إبداعاته الكائنة بتكوينه، من غير سبق مادة - وهو ما ذكرناه أولا - وفي الجواب بذلك ما فيه الكفاية لذوي البصائر والدراية. ومقنع لمن كان له في النزاع، إذا فصل، مطمع. وقد استحسن بعضهم هذا الجواب وقال مذيلا له: فيكون قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ على أن السؤال عن حقيقتها - مطابقا. إلا أنه إجمالي. أي من الممكنات التي يمكن الوقوف على حقائقها، وإن كان بإعمال روية وإيقاظ فكر كباقي عالم الأمر. وعلى أن السؤال عن قدمها وحدوثها كذلك. إلا أنه تفصيلي. وأيا ما كان، فلم يترك بيانها. ولو كانت مما لا سبيل إلى معرفته لقيل: (قل إنما علمها عند ربي) كما قيل في الساعة، أو نحو ذلك. بل لو لم يكن السبيل لمعرفته، ولو بوجه ما، متيسرا لكثير من الناس، لم يكن لأمره بالتفكر فيها. والتبصر في أمرها، للاستدلال بها عليه، والتوصل بواسطة معرفتها إليه، الذي هو الغاية القصوى والثمرة العظمى - من فائدة. بل كان عبثا. فدل قوله تعالى: