وقد استدل بالآية من منع إعطاء المال كله في سبيل الخير، ومن منع الصدقة بكل ماله.
17.28
﴿ وإما تعرضن عنهم ابتغآء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ﴾ أي: وإن أعرضت عن ذوي القربى والمسكين وابن السبيل، حياء من الرد؛ لانتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك فتعطيه، فلا تؤيسهم وقل لهم قولا لينا سهلا، وعدهم وعدا جميلا.
قال في (الكشف): ﴿ ابتغآء ﴾ أقيم مقام فقدانه. وفيه لطف. فكأن ذلك الإعراض لأجل السعي لهم. وهو من وضع المسبب موضع السبب. فإن الفقد سبب للابتغاء.
قال السيوطي في (الإكليل): في هذه الآية الأمر بالقول اللين عند عدم وجود ما يعطى منه. وفسره ابن زيد بالدعاء. والحسن وابن عباس بالعدة. انتهى.
وظاهر، أن القول الميسور يشمل الكل. وذهب المهايمي إلى أن الآية في منعهم خوفا من أن يصرفوه فيما لا ينبغي. قال: أي: وإن تحقق إعراضك عمن تريد الإحسان إليهم، طلب رحمته من ربك في المنع عنهم لئلا يقعوا في التبذير، بصرف المعطي إلى شرب الخمر أو الزنا، لما عرفت من عاداتهم، فقل لهم في الدفع قولا سهلا عليهم، إحسانا إليهم بدل العطاء. انتهى. ولم أره لغيره، والنظم الكريم يحتمله.
17.29
﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ﴾ أي: لا تمسك يدك عن النفقة والعطية لمن له حق ممن تقدم، بمنزلة المشدودة يده إلى عنقه، الذي لا يقدر الأخذ بها والإعطاء ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ أي: بالتبذير والسرف. قال ابن كثير: أي: لا تسرف في الإنفاق فتعطي غير طاقتك وتخرج أكثر من دخلك ﴿ فتقعد ﴾ أي: فتبقى ﴿ ملوما ﴾ يلومك الفقراء والقرابة ﴿ محسورا ﴾ أي: نادما، من (الحسرة). أو منقطعا بك لا شيء عندك من (حسره السفر) إذا بلغ منه الجهد وأثر فيه.
وفي النهيين استعارتان تمثيليتان: شبه في الأولى فعل الشحيح في منعه، بمن يده مغلولة لعنقه، بحيث لا يقدر على مدها. وفي الثانية، شبه السرف ببسط الكف بحيث لا تحفظ شيئا. وهو ظاهر. وجعل ابن كثير قوله تعالى: ﴿ فتقعد ملوما محسورا ﴾ من باب اللف والنشر المرتب. قال: أي: فتقعد، إن بخلت، ملوما يلومك الناس ويذمونك. ويستغنون عنك كما قال زهير في المعلقة:
ومن كان ذا مال فيبخل بماله
على قومه يستغن عنه ويذمم
ومتى بسطت يدك فوق طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير. وهي الدابة التي عجزت عن السير، فوقفت ضعفا وعجزا.