تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنبيه

جميع ما قدمناه، بناء على أن المراد بالروح في الآية روح الإنسان.

قال ابن القيم في كتاب (الروح): وفي ذلك خلاف بين السلف والخلف. وأكثر السلف، بل كلهم، على أن الروح المسؤول عنها في الآية ليست أرواح بني آدم بل هو الروح الذي أخبر الله عنه في كتابه، أنه يقوم يوم القيامة مع الملائكة، وهو ملك عظيم. وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله قال: بينا أنا أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة، وهو متكئ على عسيب، فمررنا على نفر من اليهود. فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح؟ وقال بعضهم: لا تسألوه عسى أن يخبر فيه بشيء تكرهونه. وقال بعضهم: نسأله. فقام رجل فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت. فلما تجلى عنه قال: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ الآية، ومعلوم أنهم إنما سألوه عن أمر لا يعرف إلا بالوحي. وذلك هو الروح الذي عند الله لا يعلمها الناس. وأما أرواح بني آدم فليست من الغيب. وقد تكلم فيها طوائف الناس من أهل الملل وغيرهم. فلم يكن الجواب عنها من أعلام النبوة. فإن قيل: فقد روى أبو الشيخ عن السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس قال: بعثت قريش عقبة بن أبي معيط وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة إلى يهود المدينة، يسألونهم عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فقالوا لهم: إنه قد خرج فينا رجل يزعم أنه نبي. وليس على ديننا، ولا على دينكم. قالوا: فمن تبعه؟ قالوا: سفلتنا والضعفاء والعبيد ومن لا خير فيه. وأما أشراف قومه فلم يتبعوه، فقالوا: إنه قد أظل زمان نبي يخرج، وهو على ما تصفون من أمر هذا الرجل، فأتوه فاسألوه عن ثلاث خصال فأمركم بهن. فإن أخبركم بهن فهو نبي صادق. وإن لم يخبركم بهن فهو كذاب. سلوه عن الروح التي نفخ الله تعالى في آدم. فإن قال لكم: هي من الله، فقولوا: كيف يعذب الله في النار شيئا هو منه؟ فسأل جبريل عنها فأنزل الله الآية. يقول: هو خلق من خلق الله ليس هو من الله.

قيل: مثل هذا الإسناد لا يحتج به. فإنه من تفسير السدي عن أبي مالك. وفيه أشياء منكرة. وسياق هذه القصة في السؤال، من الصحاح والمسانيد، كلها تخالف سياق السدي. وقد رواها الأعمش والمغيرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على ملأ من اليهود. وأنا أمشي معه. فسألوه عن الروح، قال: فسكت. فظننت أنه يوحى إليه. فنزلت: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ يعني اليهود ﴿ قل الروح من أمر ربي.. ﴾ الآية. وكذلك هي في قراءة عبد الله. فقالوا كذلك نجد مثله في التوراة أن الروح من أمر الله عز وجل. رواه جرير بن عبد الحميد وغيره عن المغيرة. وروى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أتت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عن الروح. فلم يجبهم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء. فأنزل الله عز وجل الآية. فهذا يدل على ضعف حديث السدي، وأن السؤال كان بمكة. فإن هذا الحديث وحديث ابن مسعود صريح أن السؤال كان بالمدينة مباشرة من اليهود. ولو كان قد تقدم السؤال والجواب بمكة، لم يسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ولبادر إلى جوابهم بما تقدم من إعلام الله له وما أنزل الله عليه. وقد اضطربت الروايات عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أعظم اضطراب. فإما أن تكون من قبل الرواة، أو تكون أقواله قد اضطربت فيها. ثم ساق ابن القيم الروايات عنه مسندة.

ثم قال: والروح في القرآن على عدة أوجه:

أحدها: الوحي، كقوله تعالى:

وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا

[الشورى: 52] وقوله:

يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده

[غافر: 15] وسمى الوحي روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح.

الثاني: القوة والثبات والنصرة التي يؤيد بها من شاء من عباده المؤمنين، كما قال:

محاسن التأويل · الصفحة ١٨٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٨٥٣