تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17.34

﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ أي: لا تتصرفوا في ماله إلا بالطريقة التي هي أحسن، وهي حفظه عليه وتثميره وإصلاحه. وقوله تعالى: ﴿ حتى يبلغ أشده ﴾ غاية لجواز التصرف على الوجه الحسن. أي: حتى يبلغ وقت اشتداده في العقل وتدبير ماله وصلاح حاله في دينه ﴿ وأوفوا بالعهد ﴾ أي: العقد الذي تعاقدون به الناس في الصلح بين أهل الحرب والإسلام، وفيما بينكم أيضا. والبيوع والأشربة والإجارات ونحوها ﴿ إن العهد كان مسؤولا ﴾ أي: مطلوبا. يطلب من المعاهد الثبات عليه، وعدم إضاعته. أو: صاحبه مسئول عن نقضه إياه. والمعنى: لا تنقضوا العهود الجائزة بينكم وبين من عاهدتموهم، فتخفروها وتغدروا بمن أعطيتموه أياها.

17.35

﴿ وأوفوا الكيل إذا كلتم ﴾ أي: أتموه إذا كلتم لغيركم ولا تبخسوه ﴿ وزنوا بالقسطاس المستقيم ﴾ أي: بالميزان السوي؛ بلا اعوجاج ولا خديعة ﴿ ذلك خير ﴾ أي: لكم في معاشكم لانتظام أموركم بالعدل، وإيفاء الحقوق أربابها ﴿ وأحسن تأويلا ﴾ أي: عاقبة ومآلا؛ إذ ليس معه مظلمة يطالب بها يوم القيامة. ثم أمر تعالى برعاية القسطاس المعنوي:

﴿ ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع... ﴾.

17.36-37

﴿ ولا تقف ما ليس لك به علم ﴾ أي: لا تتبعه في قول أو فعل، تسنده إلى سمع أو بصر أو عقل. من (قفا أثره) إذا تبعه.

قال الزمخشري: والمراد النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم، وأن يعمل بما لا يعلم ويدخل فيه النهي عن التقليد دخولا ظاهرا؛ لأنه اتباع لما لا يعلم صحته من فساد. انتهى.

ولا يخفى ما يندرج تحت هذه الآية من أنواع كثيرة. كمذاهب الجاهلية في الإلهيات والتحريم والتحليل. وكشهادة الزور والقذف ورمي المحصنات الغافلات والكذب وما شاكلها ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ﴾ أي: كان صاحبها مسئولا عما نسب إليها يوم القيامة. أو تسأل نفس الأعضاء لتشهد على صاحبها.

قال المهايمي: قدم السمع؛ لأن أكثر ما ينسب الناس أقوالهم إليه. وأخر الفؤاد؛ لأنه منتهى الحواس. ولم يذكر بقيتها لأنه لا يخالفها قول أو فعل.

﴿ ولا تمش في الأرض مرحا ﴾ أي: مختالا. أي: مشية المعجب المتكبر. إذ لا يفيدك قوة ولا علوا، كما قال سبحانه: ﴿ إنك لن تخرق الأرض ﴾ أي: لن تجعل فيها خرقا بدوسك لها، وشدة وطأتك ﴿ ولن تبلغ الجبال طولا ﴾ أي: لن تحاذيها بتطاولك ومد قامتك، كما يفعله المختال تكلفا. وفي هذا تهكم بالمختال، وإيذان بأن ذلك مفاخرة مع الأرض وبعض أجزائها.

قال الناصر: وفي هذا التهكم والتقريع لمن يعتاد هذه المشية، كفاية في الانزجار عنها ولقد حفظ الله عوام زماننا عن هذه المشية. وتورط فيها قراؤنا وفقهاؤنا. بينا أحدهم قد عرف مسألتين أو أجلس بين يديه طالبين، أو شد طرفا من رياسة الدنيا، إذا هو يتبختر في مشيه، ويترجع ولا يرى أنه يطاول الجبال، ولكن يحك بيافوخه عنان السماء، كأنهم يمرون عليها وهم عنها معرضون. وماذا يفيده أن يقرأ القرآن أو يقرأ عليه، وقلبه عن تدبره على مراحل، والله ولي التوفيق.

محاسن التأويل · الصفحة ١٨٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٨٢٠