17.83
﴿ وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا ﴾ إشارة إلى السبب في وقوع هؤلاء الضالين في أودية الضلال. وهو حب الدنيا وإيثارها على الأخرى، وكفران نعمه تعالى بالإعراض عن شكرها، والجزع واليأس من الفرج عند مس شر قضى عليه. وكل ذلك مما ينافي عقد الإيمان. فإن المؤمن ينظر بعين البصيرة، ويشاهد قدرة الله تعالى في كلتا الحالتين. ويتيقن في الحالة الأولى؛ أن الشكر رباط النعم. وفي الثانية؛ أن الصبر دفاع النقم. فيشكر ويصبر. ويعلم أن المنعم يقدر، فلم يعرض عند النعمة بطرا وأشرا. ولم يغفل عن المنعم ولم يجزع عند النقمة جزعا وضجرا.
فالآية وصف للجنس باعتبار بعض أفراده ممن هو على هذه الصفة. كقوله تعالى:
ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور * ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور * إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير
[هود: 9-11].
قال الزمخشري: ﴿ ونأى بجانبه ﴾ تأكيد للإعراض؛ لأن الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه. والنأي بالجانب: أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره. أو أراد الاستكبار؛ لأن ذلك من عادة المستكبرين.
17.84
﴿ قل كل يعمل على شاكلته ﴾ أي: على مذهبه وطريقته وخليقته وملكته الغالبة عليه، الحاصلة له من استعداد حقيقته، التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة. من قولهم: (طريق ذو شواكل) وهي الطرق التي تتشعب منه لتشاكلها. أي: تشابهها في الشكل. فسميت عادة المرء بها؛ لأنها تشاكل حاله. والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ﴾ أي: أسد مذهبا وطريقة، من العاملين: عامل الخير بمقتضى سجية القلب الفاضلة، وعامل الشر بمقتضى طبيعة النفس، فيجازيهما بحسب أعمالهما.