أولم يتفكروا في أنفسهم
[الروم: 8] وقوله:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21] ونحو ذلك، أنها أمر تدركه العقول، وبه يكون إليه تعالى الوصول.
ثم إن الذين خاضوا في البحث عنها، أثرت عنهم أقوال شتى.
وقد أفردت لذلك تآليف قديمة وحديثة، والذي يهمنا معرفته ما عول عليه الأئمة المدققون، الذين نقبوا عن أقوال المتقدمين، ونقدوها بمحك الكتاب والسنة، فنبذوا ما يخالفها وتمسكوا بما يوافقها.
فمنهم الإمام ابن حزم. قال رحمه الله في كتابه (الملل والنحل) بعد سرد مذاهب شتى: وذهب سائر أهل الإسلام والملل المقرة بالمعاد، إلى أن النفس جسم طويل عريض عميق ذات مكان. عاقلة مميزة مصرفة للجسد. قال: وبهذا نقول. والنفس والروح اسمان لمسمى واحد، ومعناهما واحد. ثم قال: وأما من ذهب إلى أن النفس ليست جسما، فقول يبطل بالقرآن والسنة وإجماع الأمة. فأما القرآن، فإن الله عز وجل قال:
هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت
[يونس: 30] وقال تعالى:
اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم
[غافر: 17] وقال تعالى
كل امرىء بما كسب رهين
[الطور: 21] فصح أن النفس هي الفعالة الكاسبة المجزية المخطئة. وقال تعالى:
إن النفس لأمارة بالسوء
[يوسف: 53]
ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب
[غافر: 46] وقال تعالى:
ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون
[البقرة: 154] وقال تعالى:
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بمآ آتاهم الله من فضله
[آل عمران: 169-170] فصح أن الأنفس، منها ما يعرض على النار قبل يوم القيامة، فيعذب. ومنها ما يرزق وينعم فرحا، ويكون مسرورا قبل يوم القيامة. ولا شك أن أجساد آل فرعون وأجساد المقتولين في سبيل الله، قد تقطعت أوصالها وأكلها السباع والطير وحيوان الماء. فصح أن الأنفس منقولة من مكان إلى مكان. ولا شك في أن العرض لا يلقى العذاب ولا يحس، فليست عرضا. وصح أنها تنتقل في الأماكن قائمة بنفسها، وهذه صفة الجسم لا صفة الجوهر عند القائل به، فصح، ضرورة، أنها جسم.
وأما من السنن فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر في الجنة "
وقوله صلى الله عليه وسلم: إنه
" رأى نسم بني آدم عند سماء الدنيا عن يمين آدم ويساره "
فصح أن الأنفس مرئية في أماكنها، وقوله عليه السلام:
" إن نفس المؤمن إذا قبضت، عرج بها إلى السماء وفعل بها كذا. ونفس الكافر إذا قبضت فعل بها كذا "
فصح أنها معذبة ومنعمة ومنقولة في الأماكن، وهذه صفة الأجسام ضرورة.
وأما من الإجماع، فلا اختلاف بين أحد من أهل الإسلام في أن أنفس العباد منقولة بعد خروجها من الأجساد، إلى نعيم أو إلى صنوف ضيق وعذاب. وهذه صفة الأجسام.
ثم قال: ومعنى قول الله تعالى: ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ﴾ إنما هو لأن الجسد مخلوق من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم عظما ثم لحما ثم أمشاجا.
وليس الروح كذلك. وإنما قال الله تعالى آمرا له بالكون (كن فكان). فصح أن النفس والروح والنسمة أسماء مترادفة لمعنى واحد، وقد يقع الروح أيضا على غير هذا. فجبريل عليه السلام الروح الأمين. والقرآن روح من عند الله.
وقال ابن حزم أيضا، قبل ذلك، في بحث عذاب القبر: والذي نقول به في مستقر الأرواح، هو ما قاله الله تعالى. نبيه صلى الله عليه وسلم لا نتعداه. فهو البرهان الواضح وهو أن الله تعالى قال:
وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين
[الأعراف: 172] وقال تعالى:
ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا
[الأعراف: 11] فصح أن الله عز وجل خلق الأرواح جملة، وهي الأنفس، وكذلك أخبر عليه السلام: