تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[البقرة: 238] وهذا مذهب مالك والشافعي، وأحمد في أشهر الروايتين عنه. وقيل: يخير حال القتال في التأخر والصلاة في الوقت بحسب الإمكان وهو الرواية الأخرى عنه. وقيل بل يؤخرها. وهو قول أبي حنيفة أيضا. ففي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق. يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا "

فوصف صلاة المنافق بالتأخير إلى حين الغروب والنقر. فدل على المنع من هذا وهذا. فلما قال صلى الله عليه وسلم هذا وهذا، علم أن الوقت وقتان. فمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك مطلقا. وليس له أن يؤخر إلى ذلك الوقت، مع إمكان الصلاة قبله. بخلاف من لا يمكنه الصلاة قبل ذلك. كالحائض إذا طهرت. والمجنون يفيق. والنائم يستيقظ. والناسي يذكر. ودل تقديم العصر يوم عرفة على أنها تفعل في موضع مع الظهر عقيب الزوال. ودل هذا الحديث على أنها يدرك وقتها بإدراك ركعة منها قبل الغروب. مع أنه بين بقوله وفعله؛ أن وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله. ما لم تصفر الشمس. فدل ذلك على أن هذا الوقت المختص بها، وقت مع التمكن والرفاهية. ليس لأحد أن يؤخرها عنه ولا يقدمها عليه. وقد عرف من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن عباس؛ أنهم قالوا: (في الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس): تصلي الظهر والعصر. وإذا طهرت قبل طلوع الفجر، صلت المغرب والعشاء. ولم يعرف عن صحابي خلاف ذلك. وبذلك أخذ الجمهور كمالك والشافعي وأحمد. وهذا مما يدل على أنه كان الصحابة ترى أن الليل عند العذر مشترك بين المغرب والعشاء إلى الفجر. والنصف الثاني عند العذر مشترك بين الظهر والعصر من الزوال إلى الغروب. كما دل على ذلك السنة والقرآن - يعني الآية المذكورة وأمثالها مما سقناه قبل - والذين ينازعون الجمهور في الوقت المشترك، ويقولون ليس لكل منهما إلا وقت يخصها، يقولون: الفرض إنما ثبت بالقرآن. والقرآن أوجب مطلق الذكر في قوله:

قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى

[الأعلى: 14-15] فلا موجب لخصوص التكبير عندهم. بل مطلق الذكر. وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل قط إلا بتكبير. ولا أحد من خلفائه ولا أحد من أئمة المسلمين ولا آحادهم المعروفين يعرف أنه صلى إلا بتكبير. ومع هذا فيجوزونه بمطلق الذكر؛ لأن القرآن مطلق في الذكر فيقال لهم: القرآن مطلق في آناء الليل وفي غسق الليل. ومطلق في الطرف الأول وفي الطرف الثاني، فدل على جواز الصلاة في هذا وهذا، لو قدر أن النبي صلى الله عليه وسلم داوم على التفريق، فكيف إذا ثبت عنه أنه جمع بينهما في الوقت غير مرة؟ كذلك يقولون: قوله تعالى:

اركعوا واسجدوا

[الحج: 77] مطلق. فهو الفرض. والطمأنينة إنما جاء بها خبر واحد. فيفيد الوجوب دون الفريضة. وكذلك يقولون في الفاتحة: إن القرآن مطلق في إيجاب قراءة ما تيسر منه، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين من بعده لم يصلوا إلا بالفاتحة. ومع قوله:

" لا صلاة إلا بأم القرآن "

و

" إن كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج. فهي خداج "

ويقولون: هذا يفيد الوجوب دون الفرضية. أو هذا خبر واحد فلا يقيد به مطلق القرآن. ومعلوم أن القرآن مطلق في الوقت المشترك أعظم من هذا، وليس معهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يوجب فعل كل واحد من الأربع في الوقت الخاص إلا فعله المتواتر، وقوله الذي هو من أخبار الآحاد. مع ما فيه من الإجمال، كقوله لما بين المواقيت الخمسة

" الوقت ما بين هذين "

وقوله:

" ما بين هذين وقت "

دلالته على وجوب الصلاة في هذا الوقت دون دلالة قوله:

" لا صلاة إلا بأم الكتاب "

، وقوله:

" من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج "

محاسن التأويل · الصفحة ١٨٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٨٤٠