تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14.11

﴿ قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشآء من عباده ﴾ أي: بالرسالة والنبوة ﴿ وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله ﴾ أي: بأمره وإرادته، وهو لم يرد ذلك، لقوله:

وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون

[الإسراء: 59].

﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ قال الزمخشري: أمر منهم للمؤمنين كافة بالتوكل، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا وأمروها به كأنهم قالوا: من حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم، ما يجري علينا منكم. ألا ترى إلى قوله:

﴿ وما لنآ ألا نتوكل على الله... ﴾.

14.12

﴿ وما لنآ ألا نتوكل على الله ﴾ ومعناه: وأي: عذر لنا في أن لا نتوكل عليه ﴿ وقد هدانا سبلنا ﴾ أي: أرشد كلا منا سبيله ومنهاجه الذي شرع له، وأوجب عليه سلوكه في الدين. وحيث كانت أذية الكفار مما يوجب القلق والاضطراب القادح في التوكل، قالوا على سبيل التوكيد القسمي، مظهرين لكمال العزيمة: ﴿ ولنصبرن على مآ آذيتمونا ﴾ أي: من الكلام السيئ والأفعال السخيفة. وقوله: ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ فيه اهتمام بالتوكل عليه سبحانه؛ لأن مقام الدعوة يقتضيه. ولذا أعيد ذكره.

14.13-14

﴿ ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ﴾ يخبر تعالى بما توعد به الكافرون رسلهم، لما رأوهم صابرين متوكلين، لا يهمهم شأنهم من الإخراج من الأرض، والنفي من بين أظهرهم، أو العود في ملتهم. والمعنى: ليكونن أحد الأمرين.

والسبب في هذا التوعد - كما قال الرازي - أن أهل الحق في كل زمان يكونون قليلين، وأهل الباطل يكونون كثيرين. والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين. فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة. فإن قيل: يتوهم من لفظ (العود) أنهم كانوا في ملة الكفر قبل. أجيب: بأن (عاد) بمعنى صار. وهو كثير الاستعمال بهذا المعنى، أو الكلام على ظنهم وزعمهم أنهم كانوا من أهل ملتهم قبل إظهار الدعوة. أو الخطاب للرسل ولقومهم، فغلبوا عليهم في نسبة العود إليهم.

وقوله تعالى: ﴿ فأوحى إليهم ربهم... ﴾ إلخ وعد صادق للرسل، وبشارة حقه. كما قال تعالى:

ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون

[الصافات: 171-173] وقال تعالى:

وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها

[الأعراف: 137] والآيات في ذلك كثيرة. والإشارة في (ذلك) إلى الموحى به وهو إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين. وقوله: ﴿ لمن خاف... ﴾ إلخ أي: للمتقين لأنهم الموصوفون بما ذكر كقوله:

والعاقبة للمتقين

[الأعراف: 128 والقصص: 83] (والمقام) إما موقف الحساب، فهو اسم مكان، وإضافته إليه سبحانه لكونه بين يديه. أو مصدر ميمي، بمعنى: حفظي وقيامي لأعمالهم ليجازوا عليها. أو مقحم للتفخيم والتعظيم كما يقال: المقام العالي. وياء المتكلم في (وعيد) محذوفة للاكتفاء بالكسرة عنها في غير الوقف.

قال السمين: أثبت الياء - هنا وفي (ق) في موضعين:

كل كذب الرسل فحق وعيد

[ق: 14]

فذكر بالقرآن من يخاف وعيد

[ق: 45] - وصلا، وحذفها وقفا - ورش عن نافع. وحذفها الباقون وصلا ووقفا.

محاسن التأويل · الصفحة ١٧٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٧٠٢