حقيقته من القفيز المشترط زيادته. فتضمن هذا جهلا بالمبيع فمنع. وقد أشرنا نحن إلى ما قاله ابن القاسم في بيع صبرة على الكيل ومعها ثوب وهو من هذا الأسلوب. لكن أبا حامد قال: وكذلك لو باع صبرة على الكيل، كل قفيز بدرهم واستثنى منها قفيزا لم يجز ذلك. وأجرى النقص ها هنا مجرى الزيادة. فأما الزيادة فالذي علل به يتصور، وقد ذكرنا ما وقع في المذهب من هذا الأسلوب. وأما النقص فيفتقر إلى بسط. فإن قيل: إن المستثنى كالمشترى فإنه قد يتصور ما قال كما تصوره في الزيادة. وهذا إنما يتضح عند الكلام على المستثنى هل هو مبقى أو مشترى؟
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويجوز تصديق المشتري للبائع في كيله إذا كان ينقد ويكره في النساء.
قال الشيخ رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة، منها أن يقال:
1) لم جاز التصديق في النقد؟
2) ولم كره في النساء؟
3) وهل يجوز التصديق في السلم؟
4) وهل يجوز التصديق في بيع الطعام بالطعام؟
5) وهل تصديق البائع للمشتري كتصديق المشتري للبائع؟
6) وإذا اختلفا في قدر المكيلة بعد التصديق القول قول من يكون منهما؟
7) وإذا حضر المشتري الكيل هل له أن يطالب به البائع؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
إذا اشترى الطعام كيلا بثمن نقد، فأراد المشتري أن يقبله بقول البائع: فيه من المكيلة كذا وكذا، فإن ذلك سائغ له. وذكر ابن حبيب أن القاسم بن محمد وغيره استثقل هذا، وأن كثيرا من التابعين أجازوه.
والظاهر عندي من مذهب الشافعية أنهم يمنعونه. وكان الشيخ أبو الحسن المعروف باللخمي رحمه الله يكره ذلك وإن كان الثمن نقدا، ويرى أن الزمان فسد، وإباحة التصديق في هذا توقع المتبايعين في النزاع والمخاصمة والأيمان،
وقد أمر الله سبحانه بالإشهاد في التبايع رفعا للخصام والأيمان.
وهذا الذي اعتل به يمكن أن يكون إليه نحا القاسم بن محمد. على أن مالكا رضي الله عنه ذكر في الموطأ أن هذا جائز في بياعات النقد. ثم أشار إلى أن المنع من ذلك في بياعات النساء حماية للذريعة فيما يتخوف من الربا (1). ثم قال: والذريعة في بيع النساء أبين. وهذا اللفظ ربما اقتضى أن في بيع النقد ذريعة ولكنها لا تبين كبيانها في بيع النساء. والذي نذكره من التعليل في بيع النساء قد يصلح إجراؤه في بيع النقد.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
قد ذكرنا في السؤال الأول ما أشار. إليه مالك رضي الله عنه في تعليل النهي عن التصديق في المكيلة في بيع النساء. وبسط كلامه أن الطعام إذا بيع نسيئة ربما اطلع المشتري على نقص في الكيل فيقف على ذكره والخصام فيه لئلا يسترد البائع طعامه، ويسيء اقتضاعه الثمن عند حلول الأجل، لأجل ما قدم المشتري من طلب حقه في النقص، فيتجافى المشتري عنه رجاء: في مسامحة البائع في الاقتضاء والتأخير في الأجل. فيكون تجافيه عن طلب هذا كهدية المديان وهي زيادة منه يرجو بها التأخير. فضارع ذلك ربا الجاهلية، وهو قولهم: تقضي أو تربي. مع أنه أيضا أخذ مكيلة مجهولة المقدار عنده في حكم اليقين والقطع، ويمكن أن يكون أقل مما اشترى من الكيل أو أكثر، فيصير أخذ طعاما في أكثر من الطعام الذي اشترى أو أقل. فضارع ذلك ربا الفضل (2).
وهكذا رأيت أصحاب الشافعي عللوا أخذ الطعام من الغريم على التصديق بأن قالوا: أخذ ما لا يدري هل هو مثل حقه أو أقل؟ فنهي عن ذلك لأجل هذا.
وهذا التعليل يشير إلى ما قدمناه عنهم من أن هذا يجري في بيع النقد. ويكون هذا تعليلا أيضا لما حكيناه عن القاسم بن محمد وغيره.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
اختلف في التصديق في الطعام المسلم فيه. فأجازه في المدونة ومنعه في الموازية. فإذا عللنا، لما أشرنا إليه وبسطناه من تعليل مالك رضي الله عنه في بيع النساء، فإنه قد يجد نقصا فيصفح عنه رجاء أن يؤخره بالثمن المؤجل، لم يطرد هذا في السلم لقوله: لا دين يبقى بينهما بعد قبض الطعام المسلم فيه.