......
) (1) البان على ناصية فرسه ويشتري الكلب والبازي بالضيعة الخطيرة؟
فقال: تمضى أفعاله. ثم سألته بعد زمان فقال: تمضي أفعاله ولو كان مثل سفيهكم.
ومنهم من فرق بين كونه بلغ سفيها وتمادى على ذلك: فقال بما قال ابن القاسم: من رد أفعاله. وبين أن يكون خرج من السفه بعد بلوغه ورشد ثم أحدث سفها بعد ذلك، فإنه تمضى أفعاله في المعاوضات، وترد في الهبات الظاهرة والمغابنة الفاحشة. ومنهم من رأى أن السفه الظاهر البين يوجب رد أفعاله بخلاف السفه الخفي.
وأشياخي المحققون يختارون الرد لأفعاله، ويرون أن السفه علة في الرد، وليس الحكم بالحجر علة الرد، لكون الحجر تنحية عن السفه، والسفه أشده وأوجبه وليس الحكم بالحجر هو الذي أثبت الحجر وأوجبه، بل السفه علة، والحكم كالمعلول فلا ينقلب الأمر، فيصير المعلول علة والعلة معلولا. وكأن من ذهب إلى خلاف هذا رأى أن ثبوت السفه يحتاج إلى اجتهاد وكشف وبحث، وهو أيضا مما اختلف المذهب في حقيقته على حسب ما قدمناه فيما سلف. وما كان مختلفا فيه ويفتقر ثبوته إلى اجتهاد لم يقض به. ويثبت حصوله إلا بحكم حاكم، لا سيما أن في رد أفعاله إضرارا بمعامليه، لأنهم يرون رجلا يتصرف في ماله ولا ينكر ذلك عليه أحد، فيعاملونه. فلو رددنا أفعاله أضررنا بمعامليه وهم لم يقصروا في الاجتهاد ولم يفرطوا. بخلاف معاملتهم لصغير لم يبلغ أو مجنون، فإن معاملتهم له ترد لكونهم هم المتلفين لمالهم والمفرطين في معاملته، من (2) السبب الموجب لرد أفعاله ظاهر بين، لا يحتاج
إلى أجتهاد ولا حكومة حاكم للصغير (2) والمجنون (1) أمران مشاهدان بخلاف السفه.
وكأن من ذهب إلى القول الثالث رأى أن السفه كان بينا، فالمعاملون له فرطوا فلم تلزمه معاملتهم، وصار السفه البين مستغنيا عن الاجتهاد غير مفتقر إلى حكم حاكم كالصغير والمجنون.
وإذا كان السفه خفيا فارق الصغر والجنون وافتقر إلى حكم حاكم.
وكأن من فرق بين السفه المستصحب من قبل البلوغ، وبين السفه الطارئ بعد البلوغ يرى أن الطارى بعد البلوغ قد ذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يوجب الحجر على السفيه بخلاف الحجر على سفيه مستصحب للسفه، لا سيما أنه إذا رشد بعد البلوغ عند من عامله لاستصحاب ما عرف له من الرشاد.
هذا في عقود المعاوضات، وأما الهبات فهي نوع من الإتلاف، فاشبهت السفه البين كما حكيناه عن المذهب الثالث.
هذا ضبط المذهب فيما يوجب الحجر ورد الأفعال، هل هو موقوف على مجرد العلة أو على الحكم به في السفيه المهمل؟
وأما إذا كان السفه الموجب للحجر مما يشاهد ولا يفتقر إلى تأمل واجتهاد كابن سبع سنين عقد على نفسه معاملة، أو مجنون عقد على نفسه معاملة، فإن هذا لا يختلف فيه في كون أفعاله على الرد، لأن الذين عاملوه يعلمون بالمشاهدة من حاله معنى يمنع الشرع من إلزامه أقواله وأفعاله، ورفع التكليف عنه في العبادات فكيف في المعاملات. وهذا بخلاف السبب الموجب للحجر إذا كان مما يفتفر ثبوته والعلم بحصوله إلى تأمل وتكرير اختبار واطلاع على قرائن أحوال، فهذا الذي يحسن فيه الخلاف.
وأما إذا وجد معنى يقتضي رفع الحجر بنفس عدم الموجب له وهو السفه
وما في معناه، أو يقف ذلك على حكم الحاكم بذلك: فأما البغداديون من أصحابنا، فإنهم يرون أن ذلك موقوف على حكم الحاكم. وأضاف ابن القصار هذا المذهب إلى مالك رضي الله عنه، فقال: إن السفيه البالغ الذي يجب الحجر عليه لا يخرج من الحجر إلا بحكم حاكم، سواء كان محجورا عليه بحكم أو بغيره. قال: واختلف قول سحنون في الصبي إذا بلغ ورشد هل تجوز أفعاله بمجرد رشاده أو تبقى على حكم الحاكم بذلك؟ فقال مرة: تجوز أفعاله بمجرد رشاده. وقال مرة أخرى مثل قولنا: إن إطلاق التصرف له في المال يقف على حكم الحاكم. قال: وكذلك اختلف قوله في المفلس إذا حجر عليه: هل يفتقر التحجير إلى حكم الحاكم برفعه أم لا؟ ووافقنا على أن المجنون إذا عقل يرتفع الحجر عنه ولا يفتقر إلى حكم حاكم.