وقد قال ابن المواز لا يرد المبيع بالعيب إلا أن يجتمع عليه رجلان عدلان من أهل البصر والمعرفة، أوامرأتان فيما لا يطلع عليه إلا النساء، كعيوب الفرج والحمل وشبهه، فإن امرأتين تقومان مقام رجلين للضرورة إليهما. ومن يعلم علمه، وقرأ كتبه، وصحب علماءه، فإن هذا ينبغي أيضا أن يتطلب فيه ثبوته بشهادة من كان عدلا عارفا بهذه الأدواء التي لا يعرفها إلا الأطباء. فإن لم يوجد من يعرف هذا إلا من ليس بعدل من أهل الإسلام أو من غيرهم من اليهود والنصارى اكتفى بهم في هذا
....
(1). ومن هذه الطريق تقبل للضرورة إليه كما تقبل شهادة الصبيان في الجرإح للضرورة إليها.
ولو اختلف الشهود فقال عدلان: هذا عيب ينقص الثمن، وأكذبهما اخران، فإن هذا التكاذب يسقط الشهادتين ويعود العيب غير ثابت، فلا يجب به الرد.
وكذلك لو اشترط المشتري جنسا اختلف فيه الشهود، هل هو من المشترط أم لا؟ فإنه لا يلزم رد البيع لهذا الاختلاف. فمحمل هذا على أن
المشتري قبض المبيع مصدقا للبائع أنه من الجنس الذي اشترط. فيكون البائع هو المدعي والمدعي إلزام المشتري البيع، فلا يصدق إلا بإثبات. وأما لو قبضه مصدقا للبائع أنه على الصفة التي اشترط، لكان المشتري ها هنا هو المدعي، والمدعي لحل منعقد يكون عليه الإثبات.
وقد قدح في هذا الذي أصلناه بأن اختلاف الشهادة والشك في حصول العيب عيب، د ان لم يكن العيب متحققا، لكون الناس يجتنبون في المبيع ما التبس أمره ويقفون عن شرائه. وقد كنا قدمنا أن الأمة إذا ادعت أن سيدها أولدها أو أعتقها, ولم يثبت لها ذلك، وباعها سيدها ممن لا يعلم دعواها هذه، أن ذلك عيب، لكون الناس يجتنبون شراء ما وقع فيه هذا الشك والالتباس.
ولكن العذر عن هذا أن هذه الشكوك حدثت بعد انعقاد العقود وانبرامها فلم يؤثر في المنعقد شك حدث بعد انعقاده بخلاف شك يحدث ويثبت حصوله بعد (1) انعقاد البيع.
وأما العيب (2) من ناحية زمن العيب، فإن البائع والمشتري لو اختلفا في زمن عقد البيع في المحرم. مثل أن يقول البائع: لم يكن في المحرم انعقاد البيع، ويقول المشتري: بل كان انعقاد البيع فيه، فإن أصبغ ذكر أن القول قول البائع، لأن المشتري يدعي تاريخا يوجب نقض البيع المنعقد. وساوى بين أن يكون المشتري نقد الثمن أو لم ينقده. وأشار إلى المسألة التي اختلف فيها ابن القاسم في أحد الثوبين إذا فات، ورد الآخر بالعيب، واختلفا في قيمة الفائت. وقد ذكرنا مذهب ابن القاسم في التفرقة فيها بين أن يكون البائع انتقد الثمن أو لم ينتقده.
وهذا الأصل في اختلاف التواريخ التي يختلف الضمان باختلافها مختلف فيه، سنتكلم عليه في اختلافهما في العهدة وغيرها.
وإذا تقرر هذا، فإن العيب المشكوك فيه وإن لم يوجب الرد، فإنه يوجب
تحليف البائع أن هذا العيب لم يكن عنده، لأجل هذه الشبهة التي وقعت في النفس من إشكال الأمر على الشهود، وتجويزهم قدم العيب وحدوثه.
وليس كل شك يوجب تحليف المدعى عليه. لكن لما كان هذا الشك له مستند حاصل مشاهد وهو العيب، قويت هذه الشبهة حتى أوجبت اليمين على البائع مع هذا الشك.
ولو كان المشتري قاطعا بأنه لم يحدث عنده والبائع قاطع بأنه لم يحدث عنده، لخرجت اليمين ها هنا عن تعلقهما بالشكوك ووجبت اتباعا للأصول في الدعاوي. ألا ترى أن من شك: هل له عند رجل مال، فإنه لا يستحلفه بالشك، ولا يمكن من خصومته، لما لم يكن لهذا الشك مستند ولا شبهة يستند إليها. ولو كان عليه دين فشك. هلا قضاه أم لا؛ فإن تمكينه من تحليف من له الدين فيه اختلاف في المذهب. فكأن من نفى اليمين عن صاحب الدين يرى أن شك الغريم في قضاء الدين لا مستند له، ولا شبهة توجب تعلق اليمين لمن له الدين. ومن أوجب على من له الدين يمينا رأى أن الشك في قضاء الدين يصير الدين مشكوكا في ثبوته في ذمة الغريم، وصاحب الدين يقطع أنه لم يقضه شيئا، وأن الدين ثابت، فيكون القول قول الطالب ها هنا ولكن مع يمينه لحصول شك في عمارة ذمة الغريم.