فصل
ومما يلحق بهذا المعنى رد الوكيل ما اشتراه لموكله لعيب اطلع عليه.
فإنه لم يختلف المذهب في أنه إذا وكل على شراء سلعة بعينها، فإنه ليس له ردها بالعيب الذي اطلع عليه بعد العقد، إلا بعد مطالعة الموكل وإذنه له في ذلك.
وإن كانت السلعة ليست بمعينة وإنما وكل على شراء سلعة موصوفة، ففيها قولان مشهوران.
ومذهب الشافعية، على العكس من هذا، أنه لا خلاف عندهم في أن له أن يرد بالعيب إذا وكل على شراء سلعة موصوفة. وعندهم قولان في ما إذا وكل على شراء سلعة معينة.
وسبب الخلاف عندنا، في الموصوفة دون المعينة، أن الوصف يشعر بقصد الموكل إلى تحصيل تلك الصفات سليمة، فإذا لم تكن سليمة من العيب لم يلزم الآمر، وصار الوكيل لم يعقد على ما أمره به، فله رده من غير مطالعة الموكل. وإذا عين الموكل ما يشتري له فغرضه تحصيل العين على أي حالة كانت. فلهذا لم يمكن الوكيل من ردها.
ومكنه من ذلك الشافعي وقدر أنه إنما أمره بشرائها بشرط أن تكون سلمية من العيوب، فإذا لم تكن كذلك صار كمن اشتراها ولم يوكل عليها، فله ردها.
قال القاضي أبو محمد، رضي الله عنه:
[يجوز إطلاق] (1) الوكالة في البيع. ومقتضى ذلك ثمن المثل نقدا بنقد البلد. وإن كان هو المشتري جاز.
وكذلك في الشراء، مقتضى الإطلاق ثمن المثل. فإن كانت الوكالة في شراء جارية، للخدمة أو للوطء أو تزويج أو غير ذلك، لزم فيه (2) ما أشبه في دون ما لم يشبه.
قال الإمام، رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة، منها أن يقال:
1 - ما حكم تعدي الوكيل في المخالفة في صفة الثمن أو المثمون؟
2 - وما حكمه إذا اشترى لنفسه ما وكل على بيعه؟
3 - وما حكمه إذا تعدى في ترك الإشهاد؟
4 - وما حكمه إذا اشترى من يعتق عليه؟ (3)
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
إذا وكل رجل رجلا على بيع سلعة أو على شرائها، فلا يخلو من أن يكون قيد الوكالة على البيع أو على الشراء، أو أطلقها.
فإن قيدها بثمن محدود وشرط الانتقاد، مثل أن يقول: بيع سلعتي بعشرة دنانير من نعت كذا حالة، أو اشتر لي بمثل ذلك. فإن الوكيل منهي على تعدي ما رسم له الموكل.
وإن أطلق الوكالة فلا يخلو أن يكون أطلقها في الشراء للموكل أو في البيع له.
فإن أطلقها في الشراء مثل أن يقول: اشتر لي ثوبا أو عبدا. ويصف العبد
والثوب. فإنه متعد إن خالف الصفة.
وإن أطلق ولم يصف العبد والثوب. فإنه:
إن اشترى له ما يليق بمثله لزم الموكل ذلك.
وإن اشترى ما لا يليق به، ففيه قولان: مذهب ابن القاسم أن ذلك لا يلزم الموكل، لكون العرف ها هنا يحل محل التقييد بوصف العبد أو الثوب. وقال أشهب: يلزم ذلك الموكل أخذا بعموم لفظ الوكالة، ولإمكان أن يكون أراد العبد أو الثوب للتجارة لا للخدمة.
ومذهب ابن القاسم حمل الخطاب على ما يليق بالموكل في الاستخدام واللباس.
وكذلك حكم الثمن في الوكالة على الشراء فإنه لا يلزم الموكل عقد الوكيل، إلا أن يشتري له بالثمن المعتاد في جنسه وفي مقداره. وهذا لا خلاف فيه.
وأما إن وكله على بيع سلعة بعينها وأطلق الوكالة، فإن العلماء مختلفون فيه على ثلاثة مذاهب:
فمذهب مالك والشافعي أن هذا الإطلاق يتقيد بالعرف في مقداره وجنسه وكون الثمن على الحلول. فإن باع الوكيل بعرض أو غيره خلاف نقد البلد كان متعديا. وكذلك إن باع بثمن مؤجل فإنه يكون متعديا، أيضا.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يكون متعديا في شيء من هذه الوجوه، بل للوكيل على البيع أن يبيع بما عز وهان، وبأي جنس من الأثمان شاء، نقدا، أو مؤجلا إلى أي زمن.
ووافقه صاحباه محمد بن الحسن وأبو يوسف في تمكينه من البيع بثمن مؤجل.
ووافقا مالكا والشافعي في كونه متعديا إن باع بغير نقد البلد، أو باع بثمن
بخس لا يتغابن الناس بمثله.
فأما أبو حنيفة فإنه اعتمد على وجوب الأخذ بالعموم في لفظ الموكل، كما يجب الأخذ بالعموم في لفظ صاحب. الشرع لكونه مخاطبا لأمته. واللغة تقتضي حمل اللفظ على العموم، عند من صار إلى ذلك من أهل الأصول.