كتاب الوديعة
بسم الله الرحمان الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
كتاب الوديعة
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:
الوديعة أمانة محضة، لا تضمن إلا بالتعدي. والقول قول المودع في تلفها على الإطلاق مع يمينه، وفي ردها. إلا أن يكون قبضها ببينة، فلا يقبل منه إلا ببينة. وليس له أن يودعها غيره إلا من ضرورة، ويضمن أن أودعها (1).
وليس له أن يسافر بها على كل وجه. إلا أن تكون في السفر، فعرضت له إقامة، فله أن يبعثها مع غيره ولا ضمان عليه. وإذا أنفقها أو بعضها رد قدر ما أنفق وسقط عنه الضمان. إلا أن يكون المردود قيمة فقيل: الضمان باق.
قال الفقيه الإمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل أسئلة. منها أن يقال:
1 - هل يباح الإيداع أم لا؟
2 - وما الدليل على سقوط الضمان في الوديعة؟
3 - وهل يشترط في رفع الضمان استدامة الحق للمودع؟
4 - وما الحكم في تلف الوديعة؟
5 - وما حكم تسليم الوديعة لغيره؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
استدل العلماء على جواز الإيدل بقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا
الأمانات إلى أهلها} (1) وبقوله تعالى: ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ (2). وهذا الاستدلال لا يستقل بمجرده. لأن قصارى ما فيه الأمر برد الوديعة. وردها غير قبولها. ويصح أن يؤمر برد ما قبوله حرام. لكن ترك التعرض لذكر أصل الإيداع يقتضي كونه غير محرم. إذ لو كان حراما، لنبه عليه. وكذلك قوله تعالى في الأوصياء ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ (3) ومال اليتيم في يد من يليه على جهة الأمانة والإيدل وفيه أيضا ما ذكرناه من كونه أمر برد الوديعة.
وأما قوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة﴾ (4). ففيه إثبات الوكالة. والم الذي يد الوكيل على جهة الإيداع. لكن قصارى ما في هذا أن أصحاب الكهف الظاهر من حالهم أنهم ما فعلوا ذلك إلا وهو مباح في شرعهم. وفي الاستدلال بشرع من كان قبلنا خلاف بين الأصوليين.
ولما ذكرنا إباحة الإيداع من حيث الجملة، فمن شرط الإباحة أن يكون قابض المال على جهة الإيداع مأمونا عليه. وأما إن كان الغالب منه أنه لا يوفي بأمانته ولا يرده إلى صاحبه، إما بجحوده إياه وإما بدعوى ضياعه، فإن هذا لا تصح فيه الإباحة، إما لكون اليمين تلزمه فيحلف كاذبا فيكون دافع الوديعة سببا في حمل هذا على ما لا يحل من اقتطاع حق مال مسلم بيمينه. على أن هذا التعليل قد يعترض لكون البياعات تصح بغير شهادة عموما في سائر الناس. وإن كان الإشهاد يستحب، وتركه مكروه ولكن الكراهة تتقاصر عن التحريم. وأيضا فإن البياعات تدعو إليها الضرورات في المعاملات. وقد لا يربح البائع إلا في معاملة غير ثقة بخلاف الإيداع. وقد علل هذا الاشتراط بأن في إيدل من الغالب أنه لا يرد الوديعة إضاعة المال. وقد نص النبي - صلى الله عليه وسلم - نص في البخاري ومسلم عن
النهي عن إضاعة المال (1). وهذا أيضا قد يقال فيه: إن له أن يهب ماله لغير ثقة، ولمن يتلفه في اللذات المباحة. فإذا كان هذا لا يحرم الإيداع لغير ثقة. لكن الواهب قصد الملك للموهوب له المال. ومن ملك المال مالكه يفعل فيه ما يشاء من الأمور الباحة. وهذا المودع لماله لم يقصد تمليك ماله المودع، وإنما قصد صيانته، وصيانته في هذا الوجه سبب إضاعته. فنهى عن ذلك لأجل القضية التي ذكرناها.
وقد منع أصبغ من أتى بلطخ في جارية، أن يضع قيمتها ويسافر بها ليثبت ملكه لها، ورأى أن ذلك معونة على ما لا يجوز من وطئها. وإن كان في المدونة تمكينه من ذلك على الجملة للضرورة والحاجة إلى صيانة الأموال على أربابها.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
قد تقرر الاتفاق على أن من أسلف رجلا مالا فضاع الم الذي يد المستسلف فإنه ضامن. كما حصل الاتفاق على أن الوديعة غير مضمونة وتستنبط من ذلك علة الضمان والتبرية.