تخطَّ إلى المحتوى

كتاب البيوع الفاسدة

(1)

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله: كتاب البيوع.

كل بيع فالأصل فيه الجواز، إلا ما تعلق به ضرب من ضروب المنع.

وفساد البيع يكون بوجوه:

1 - منها ما يرجع إلى المبيع،

2 - ومنها ما يرجع إلى الثمن،

3 - ومنها ما يرجع إلى المتعاقدين،

4 - ومنها ما يرجع إلى صفة العقد،

5 - ومنها ما يرجع إلى الحال التي وقع فيها البيع (2).

وربما انفرد بعض هذه الأقسام بنفسه وربما تداخلت.

فأما ما يرجع إلى المبيع فككونه (3) مما لا يصح بيعه، وذلك كبيع الحر والخمر والخنزير في حق المسلم، وبيع النجاسات وما لا منفعة فيه كخشاش الأرض والكلاب. واختلف فيما يجوز الانتفاع به منها.

وما (4) يرجع إلى الثمن فككونه مما لا يصح المعاوضة بجنسه. ويرجع ذلك إلى أنه لا يصح بيعه.

قال الإمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل اثنا عشر سؤالا منها أن يقال:

1 - ما حقيقة البيع؟

2 - وما يجوز العقد عليه أو يمنع؟

3 - وهل يجوز بيع المائعات النجسة؟

4 - وهل يجوز بيع جلود الميتة؟

5 - وهل يجوز بيع فضلات غذاء الحيوان؟

6 - وما حكم شعر الميتة؟

7 - وهل يجوز بيع المسك؟

8 - وهل يجوز بيع الكلب؟

9 - وهل يجوز بيع الصور؟

10 - وهل يجوز بيع جلد الضحايا والهدايا؟

11 - وهل يجوز بيع الماء؟

12 - وهل يجوز بيع ما يستعان به على ما لا يحل؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: البيع هو نقل الملك بعوض. وهذا الكلام يتضمن إثبات ثمن ومثمون، وناقل، ومنقول إليه، وصفة النقل. وهذا يحوج إلى الكلام في المعقود عليه، وصفة العقد، وصفة المتعاقدين. وإذا قلنا: إن البيع الفاسد ينقل الملك كان بيعا على الحقيقة. وإن قلنا: لا ينقل الملك، لم يكن بيعا على مقتضى هذا الرسم الذي رسمنا به الحد من جهة معناه. لكن العرب قد تكون التسمية عندهم حقيقة لاعتقادهم أن الملك قد انتقل، على حكمهم في الجاهلية، وإن كان لم ينتقل، على حكم الإسلام، فتكون التسمية حقيقية على مقتضى أصل وضعهم، ومجازا على ما اشتقوا منه التسمية بالإضافة إلى اعتقاد أهل الشرع.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: ينبغي للفقيه أن يعتني بالنظر في هذا الفصل، فإنه تتفرع عنه مسائل كثيرة. فيعلم أن سائر الموجودات التي يحوزها الإنسان للمنفعة بها لا تخلو من أن تكون مما لا يصح تملكها ولا انتفاع بشيء

من منافعها، أو تكون مما يصح تملكها والانتفاع بمنافعها كلها، أو مما يصح تملكها ويحل الانتفاع ببعض منافعها دون بعض.

فإن كانت مما لا يصح تملكها، فلا خفاء أن بيعها لا يصح. لأنا كنا قدمنا أن حقيقة البيع نقل الملك بعوض، وإذا لم يتصور البيع الذي هو تابع للملك وفرع، كما أن الملك وصحته قد يكون تابعا لجواز الانتفاع وفرعا عنه. وهذا القسم أحد أمثلته الخمر، فإن بيعها لا يصح لما كان ملكها لا يصح، وملكها إنما لم يصح لأن الانتفاع بسائر منافعها لا يجوز لتحريمه. وقد نبه - صلى الله عليه وسلم - على هذا المعنى بأحسن تنبيه. فخرج في الصحيحين أنه عليه السلام ذكر أن الله تعالى حرم بيع الخمر والميتة والدم والأصنام. (1) فقيل: يا رسول الله، إن شحوم الميتة تطلى به السفن ويستصبح. فقال: "لا، هو حرام، لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها" (1) الحديث المشهور.

فنبه - صلى الله عليه وسلم - على أن الشحم لما حرم على اليهود أكله وهو المقصود، وجب أن يمنع البيع كالمعاوضة عما لا ينتفع به، وذلك من أكل المال بالباطل. وقد ورد في الكتاب والسنة النهي عنه. وهذا جار على ما أصلناه وبيناه في الخمر. وكذلك ما ذكر معه من الميتة والدم وغير ذلك مما في معناهما مما ذكر في هذا الحديث. وفي غيره علة المنع من بيعه ما نبهنا عليه من تحريم الانتفاع به، وتحريم الانتفاع به يمنع من تملكه. ولا ينقض هذا يكون الإنسان يملك أباه ولا يحل له استخدامه والانتفاع به في مثل هذا المعنى، ثم لم يكن المنع من الانتفاع به يحيل صحة ملكه لأن الأب يملك بالشراء. ولولا أنه يملك بالشراء لما عتق على ولده. فقد صح ها هنا الملك مع تحريم الانتفاع بالمملوك. لأن هذا إنما أبحنا شراءه، وإن كان لا ينتفع به، وجعلناه مملوكا بالشراء، لأنه قد تضمن فعل قربة لله سبحانه وهو بر الوالدين، والقرب إلى الله سبحانه أعظم المنافع. فإذا فات ها هنا تصور المنفعة بالأب من ناحية الدنيا، لم يفت تصور ذلك من ناحية الآخرة.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.