الأمر فيها موقوفا على فعل يفعله غيره، وهو يترقب (1) هل يوقع غيره ذلك الفعل أم لا؛ فإن هذا الشرط يفسد النكاح لما أضعف ملكه للفرج.
ومن الأشياخ من سلك في الفرق طريقة أخرى، فقال: إن المشترط أنه متى أعاد الثمن ارتجع سلعته قد انتقد الثمن انتقادا فيه مخاطرة، كما بيناه فيما تقدم، ففسد البيع لأجل هذه المخاطرة. وهذه المسئلة الأخرى لم يقع فيها انتقاد، فيؤثر ذلك فسادا في العقد، على حسب ما كنا أشرنا إليه في مسئلة البيع والسلف من افتراق الشروط المؤثرة في الثمن والمثمون أو التي لا تؤثر.
وقدح بعضهم في هذا الفرق بأن قال: إن لم يثبت القدح في هذه المسئلة من جهة الثمن، وانتقاده على صفة فيها تخاطر ثبت من جهة كون البائع حابسا للسلعة حبسا منهيا عنه في أصل العقود. وسنبسط نحن الكلام على هذا الوجه إذا تكلمنا على المسألة بانفرادها إن شاء الله تعالى.
فصل في القرض الفاسد
واعلم أنا كنا قدمنا في كتاب السلم القول في كثير من أحكام القرض ما يجوز منه وما لا يجوز، وحكم قرض الجواري، والخلاف في ذلك على ما شرحناه هناك من صفة الخلاف الواقع فيه. ولما ذكر في المدونة في كتاب بيوع الآجال جملا من القروض الفاسدة وقدمنا العذر على توخينا ترتيب المدونة، ألحقنا بالفصل المتقدم هذا الفصل.
فالكلام في القرض الفاسد من وجوه أحدها أن يقال:
1 - ما حكم القرض إذا فسد وكان قائما؟
2 - وما حكمه إذا فسد وكان قد فات؟
3 - وهل يفسد من جهة اشتراط قضائه ببلد آخر؟
4 - وهل يفسد من جهة اشتراط تعيين صفته؟
5 - هل يجوز تصديق المقرض في مقدار القرض وما علة ذلك؟ (1)
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: قد قدمنا أن الذهب بالذهب نسيئة ربا، وأن الشرع عما عن ذلك إذا وقع على جهة القرض المراد به منفعة المتسلف، لأجل ما في ذلك من المعروف والإحسان, والله سبحانه أمر بهما على الجملة. فإذا قصد دافع القرض منفعة نفسه خاصة أو منفعة نفسه ومنفعة من أخذ القرض؛ فإن ذلك ممنوع، ومندرج تحت الربا الذي ذكرنا. وهكذا ذكر ابن عمر رضي الله عنه لما قسم القرض إلى ما يراد به الأجر أو يراد به وجه آخذه أو يراد منفعة دافعه، فأشار إلى جواز الوجهين الأولين ومنع الثالث لكونه ربا.
وقد تقدم ما يجوز من التطوع في الزيادة في القرض عند القضاء وما لا
يجوز في كتاب الصرف.
وأما اشتراط المنفعة للدافع نطقا أو قصده لذلك وإن لم ينطق، فإنه لا يجوز. لكن إن ثبت أنه قصد منفعة نفسه ببينة شهدت عليه بذلك أو بتصديق القابض له في ذلك، فإن هذا القرض يفسخ.
فإن انفرد أحدهما بدعوى ذلك وأكذبه الآخر، فإن كان الدافع هو الذي زعم أنه قصد بالقرض منفعة نفسه بعد أن خرج ذلك من يده، فإنه لا يصدق في ذلك ويتهم أن يكون ندم على ما دفع وأراد استرجاعه من قابضه قبل حلول أجله. وإن كان المدعي لذلك القابض ولم يقصده (1) الدافع، فإنه يرد ما قبض من القرض، كاعترافه بأنه وقع على وجه حرام، والحرام يفسخ.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: قد تقرر فيما تقدم أن سلف العروض أو المعاوض عنها على وجه فاسد يرد قيمتها إن لم يمكن رد عينها.
كما تقرر أيضا أن المقترض قرضا جائزا يخير بين أن يرد عين ما اقترض إن كان باقيا على حاله، أو يرد مثله لأن دافعه دخل معه على أنه مكنه من إفاتة عينه ليرد مثلها، فإن شاء دفع المثل وصار كمن أفات العرض الذي اقترض وإن شاء رد عين العرض لأن التأجيل فيه إلى أن ينتفع به فيفيته حق له لا حق فيه لدافعه.
ولهذا كان له تعجيل العرض إذا كان قرضا قبل أجله. فإذا كان القرض فاسدا وثبت ذلك وجب (2) فسخه، فوجدناه قد فات، فإن الأشياخ ذهبوا إلى إلحاقه بالبيوع الفاسدة التي يجب في فوتها إذا كانت عروضا القيمة لا المثل، فغلبوا على هذا العقد لما فسد أحكام المعاوضة الفاسدة، فيكون الواجب القيمة كما وجب فيها. ويحصل الفوت بحوالة الأسواق كما حصل أيضا فيها. وهذا يعارض بأن يقال: إذا كان الفساد من قبل الدافع بأن يكون ثبت بأنه قصد منفعة نفسه، وذلك قد يحصل فيه إخراج هذا العرض بهذا القصد الممنوع إلى أحكام