الذي صنع منه، بأنهما جنسان إذا كان المصنوع لا يمكن أن يعود إلى أصله، كبيع غزل بثوب منسوج، فإن ذلك يجوز، وإن لم يتبين الفضل، إلا أن يكون الثوب من خز فلا يباع بخز، لأن ثوب الخز قد ينفش فيرجع خزا كما كان، وإذا كان المصنوع يعود إلى أصله اعتبر فيه تبين الفضل، وجرت فيه أحكام المزابنة، كبيع طست نحاس، لأنه قد يسبك الطست فيعود نحاسا كما كان. وأجاز في المدونة بيع المصنوع بالمصنوع وإن تجانس أصلاهما وأمكن أن يعودا لأصلهما، كطست من نحاس بمنارة من نحاس، ورأى أن المقصود اختلاف الصنائع، وكذلك العروض المختلفة.
وأجاز في المدونة التفاضل ما بين الفلوس والنحاس، وإن كان النحاس أصلا للفلوس، ولم يجر النحاس مجرى التبر الذي يصنع منه الدنانير، لكون الربا في الدنانير محرما باتفاق، والربا في الفلوس غير متفق عليه على ما سنبينه في كتاب الصرف إن شاء الله.
وأما القسمة إذا وقعت بالتحري تجري على ما قلناه، ويتضح هذا فيها إذا قيل: إنها بيع من البيوع. ويتكلم على هذا في موضعه إن شاء الله، ونذكر الخلاف فيه: هل القسمة بيع من البيوع أو تمييز الحقوق؟ وبالله التوفيق.
كتاب بيوع الآجال
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
كتاب بيوع الآجال.
قال الشيخ الإمام، رضي الله عنه: لما لم يشتمل كتاب التلقين للقاضي أبي محمد، رحمه الله، على تنصيص في مسائل بيوع الآجال المذكورة في المدونة وغيرها، رأينا أن نملي فيه فصولا تشتمل على نكت يعتمد عليها ورتبنا ذلك فصولا: الفصل الأول يشتمل على أربعة أسئلة، منها أن يقال:
1 - ما معنى حماية الذريعة التي بني عليها مسائل هذا الكتاب؟
2 - وما الدليل على اعتبارها في البيوع؟
3 - وما يجتنب فيها؟
4 - وما تقاسيم أنواع البيع المعتبر فيه؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
أما حقيقة الذريعة عند الفقهاء، فإنها منع ما يجوز لئلا يتطرق به إلى ما لا يجوز. وأصل هذا عند العرب أن الناقة الشاردة إذا استوحشت نصب لها ما تألفه من الحيوان لتحن إليه فيمكن حينئذ ضبطها، فنقل هذا المعنى إلى ما فسرناه من مرادهم، لأن ما لا يجوز من البياعات ويحرم العقد عليه قد يتحيل عليه بإظهار صورة يجوز في الشرع العقد عليها حتى تكون وصلة إلى نيل ذلك المحرم.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
اختلف الناس في اعتبار حماية الذريعة في بياعات الآجال، فأثبته مالك وأبو حنيفة، وأنكره الشافعي تعلقا منه بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (1). وعموم هذا يقتضي جواز ما منعه مالك وأبو حنيفة في بياعات الآجال التي بني المنع فيها على حماية الذريعة. وهكذا استدل بعموم قوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ (2). وهذه البياعات المشار إليها هي تجارة عن تراض من المتبايعين.
ويستدل أيضا بأن مالكا وأبا حنيفة وغيرهما من المانعين لهذه البياعات، التي يأتي التفصيل عليها، إنما اعتمدوا على تهمة المتبايعين وأن ما أظهراه من بياعات جائزة وأخبرا أنهما عقدا في الباطن على ما اقتضاه الظاهر لم يصدقا في خبرهما يقينا، وقد يظن بهما أنهما تحيلا، بما أظهرا، على عقد بيع لا يجوز في الشرع، وهذا سوء ظن بالمسلمين وقد قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ (3) والشرع إنما أمر بتحسين الظن بالمسلمين لا بسوء الظن بهم.
وأما مالك وأبو حنيفة وغيرهما، فإنهم يستدلون بقوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عد وا بغير علم﴾ (4) فنهى عن سب أصنامهم وغيرها مما يعبدونها مما لا حرمة له لئلا يدعوهم ذلك إلى سب الله سبحانه.
فهذا كالتنبيه على منع الجائز لئلا يكون سببا في فعل ما لا يجوز.