فأما القرآن، وهو أصدق شاهد على إثبات اللغة، فقوله تعالى: ﴿وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن﴾ (1) والظن ضد العلم وليس من جنسه.
وقوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ (2) والتجارة حلال وأكل المال بالباطل حرام. فقد استثنى الشيء من غير جنسه لكون التجارة مباحة، وليست من أكل المال بالباطل.
وقوله تعالى: ﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى *إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى﴾ (3) وابتغاء وجه الله بالصدقة والصلاة ليست من النعم التي يجزي بها الإنسان صاحبه.
وقال تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ (1) وإبليس ليس من الملائكة، بدليل قوله في آية أخرى: ﴿إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾ (2).
وأما ألسنة العرب فقد ذكر سيبويه أن أهل اللغة يثبتون الاستثناء من غير الجنس. قال: وإنما اختلفوا في إعرابه إذا كان منفي: هل هو بالنصب أو بالرفع؟.
وأما الأشعار فقد قال الشاعر وهو النابغة:
وقفت فيها أصيلا (3) أسائلها ... عيت جوابا وما بالربع من أحد
إلا الأواري لأياما أباينها (4)
....
والنواك الحوض المظلومة الجلد (5)
والأواري ها هنا ما يحسن (6) بها الخيل من وتد وحبل. واحدها آري وسيماخية (7) والجمع أواخي. والوتد والحبل لا ينطق عليه اسم "أحد" فصار ذلك استثناء من غير الجنس.
وفي هذا البيت روايات منها:
وقفت فيها طويلا كي أسائلها.
ومنها: وقفت فيها أصيلانا.
كما ذكرنا، فقيل: إنه جمع أصيل كرغيف ورغفان.
ويروى: أصيلا كي أسائلها.
والأصيل العشي.
وكذلك اختلفوا في إعرابها: فيروى إلا الأواري بالنصب، ويروى إلا الاواري بالرفع.
قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو لم. رفعوا الاواري في هذا الاستثناء؟
قال: لاعتقادهم أنها من جملة البيت. فكأنه يقول: وما بالربع إلا الأواري.
والربع: المنزل في الربيع، ثم كثر استعمالهم له حتى صار كل منزل يسمى (1) ولأياما: معناه طويلا. والنوي ما يحفر حول البيت.
والمظلومة الأرض التي حفر ذلك بها. كأنهم وضعوا الحفر في غير موضعه.
والجلد: الأرض التي لا حجارة فيها.
وبالنصب في مثل هذا جاء القرآن. قال تعالى: ﴿ما لهم به من علم إلا اتباع الظن﴾ (2) اتباع (3) بعد حرف الاستثناء، وإن كان من غير الجنس كما قدمناه
وقال الشاعر:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
واليعافير والعيس ليسا من الإنس.
وقد بسطنا القول في هذا الفصل فيما أمليناه من أصول الفقه في كتابنا المترجم: بشرح المحصول من برهان الأصول.
وإذا تقرر كون ذلك لغة، بدل ما أوردناه من الشواهد، وجب ألا يطرح وأن يعتد به. ولهذا أشار بعض الفقهاء من أصحاب مسائل الخلاف إلى أنه استثناء على الحقيقة لأنه إذا قال: له عندي مائة دينار إلا ثوبا، وطرحنا قيمة الثوب، وهي دينار من المائة دينار صار استثناء من الجنس.
وذكر عن بعض العلماء قيل له: كيف يتصور معنى هذا اللفظ من هذا الاستثناء؟ فقال: يمكن أن يكون المقر (1) له على المقر مائة دينار فأعطاه منها ثوبا له شبه بثمنه من المائة دينار، فلما طلب بالإقرإر عبر عنها بالذي جرى، أن قال: له عندي مائة دينار إلا ثوبا، يعني دفعته إليه قضاء على بعض المائة، عند الذي قال: يصح أن يتصور معناه ويصح ويقع في الوجود دعواه أنه قضى ثوبا أم لا؟ هذه مسألة أخرى.
وذكر ابن سحنون لو قال: لزيد عندي ألف درهم ولعمرو مائة دينار إلا عشرة دراهم. فإن هذا الاستثناء لا ينفع ولا يعتد به لأنه رده إلى الجملة الأولى التي هي ألف درهم بعد أن حال بين الاستثناء والمستثنى منه بجملة أخرى، فلم يصح رجوع ألاستثناء إلى جملة، وتكلم، بعد جملة أخرى، كما لو استثنى بعد أن سكت سكوتا انفصل به حكم الخطاب الأول، فإنه لا يقبل. وكذلك نطقه بجملة أخرى يقدر كالسكوت، ولكن لو قال: لزيد عندي ألف درهم ولعمرو مائة دينار إلا عشرة درإهم لصرف هذا الاستثناء إلى الجملة الأخيرة وحط من المائة دينار صرف عشرة دراهم على ما قدمنا بيانه، ويصير كأنه ملحق بما قدمناه من إلاستثناء من غير الجنس لكون ذلك من التقدير كالجنس الواحد.