كتاب الرهن
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
صلى الله على سيدنا محمد وسلم
كتاب الرهن (1)
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى، ورضي عنه: معنى الرهن احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفي الحق من ثمنها، أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم، مفردة كانت أو مشاعة.
وهو جائز لكل دين لازم أمكن استيفاؤه من ثمنه، كالدين من قرض أو بيع أو قيمة متلف أو غير ذلك.
ويصح عقده قبل وجوب الحق وبعده ومقارنا له.
قال الفقيه الإمام رحمه الله تعالى ورضي عنه: يتعلق بهذا الفصل أحد عشر سؤالا منهما أن يقال:
1 - ما الدليل على جواز الرهن على الجملة؟
2 - وما الدليل على جوازه في الحضر؟
3 - وهل ينعقد الرهن قبل ثبوت الحق في الذمة؟
4 - وما الذي يصح رهنه من مشاع أو مفرد؟
5 - وهل استدامة القبض في الرهن شرط في صحتها (1) أم لا؟
6 - وهل يجوز رهن المجهول؟
7 - وهل يجوز رهن الغرر؟
8 - وهل يجوز اشتراط كون المبيع رهنا؟
9 - وهل إذا رهن العصير فصار خمرا ثم تخلل يبقى على حكم كونه رهنا أم لا؟
15 - وهل تحل الخمر إذا تخللت؟ (2)
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
أما جواز الرهن على الجملة فالكتاب والسنة وإجتماع الأمة،
فأما الكتاب فقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ (3) فذكر الرهن على معنى الأمر به كما أمر بالشهادة، ووصفه بما تممه ويؤكد عقده فقال: "مقبوضة".
وأما السنة فورد فيها ذلك قولأوفعلا.
فأما القول فقوله - صلى الله عليه وسلم - "لا يغلق الرهن" (4) وما رواه أيضا أبو هريرة من قوله - صلى الله عليه وسلم - "الرهن مركوب ومحلوب" (5) و"الرهن من راهنه له ثمنه وعليه غرمه" (6).
وقد روي هذا عن أبي هريرة من طرق أخرى من لفظ آخر.
وأما رواية ذلك فعلا فإنه قد روى أيضا أنه عليه السلام رهن درعه عند يهودي بالمدينة في شعير أخذه لأهله (1). وقالت عائشة رضي الله عنها: "فإنه مات عليه السلام ودرعه مرهونة" (2).
وأجمعت الأمة على جواز الرهن على الجملة. واختلفت في أحكام بعض تفاصيله، كما نورده في موضعه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
أما جواز الرهن في السفر فقد نص عليه الكتاب كما ذكرناه. وأما جوازه في الحضر فجماعة العلماء على إجازته سوى مجاهد وداود، فإنهما منعا الرهن في الحضر تعلقا منهما بدليل الخطاب من قوله تعالى "وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة" (2) فدل هذا التقييد بالسفر على أنه لا يجوز الرهن في الحضر.
والرد عليهما في هذا الذي تعلقا به أنا نلتفت في هذا التعارض الذي ظنناه إلى أنواع من أصول الفقه، منها القول بدليل الخطاب، فإن حذاق المتكلمين من الأصوليين أنكروه، فعدى مذهب هؤلاء (يبطل هذين الرجلين) (3) بدليل الخطاب الذي ذكرناه في هذه الآية.
وإذا قلنا بدليل الخطاب التفتنا فيه إلى أصل آخر من أصول الفقه، وهو النظر في دليل الخطاب: هل يقدم عليه، إذا وقع في القرآن خبر واحد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو يكون هو المقدم على خبر الواحد؟
فإن قلنا: إن الخبر مقدم على دليل الخطاب سقط أيضا تعلقهما بهذا الدليل، وكونه عليه السلام رهن درعه بالمدينة، والمدينة حاضرة وهي وطنه ووطن أصحابه.
ويلتفت أيضا إلى فعله عليه السلام هل هو مقصور عليه أو (1) مختصر به حتى يقوم دليل على تعديه إلى أمته، أو يكون حكما متعديا إلى أمته حتى يقوم دليل على اختصاصه به دون أمته؟
فإن قلنا بتعديه أيضا سقط ما تعلقوا به مع مجموع الأصول التي قدمنا ذكرها.
فهذا وجه العمل فيه من أصول الفقه.
ويلتفت أيضا إلى أصل آخر وهو التعلق بدليل الخطاب إذا لاح أنه يقصد به اختصاص الحكم بالمذكور. وإنما خص بالذكر الوصف المذكور لكون العادات مقتضية له.