تخطَّ إلى المحتوى

وإن لم يذكر إخراجا للدنانير ولا مقاصة لها، فإن ذلك محمول على الوجه الجائز وهو وجوب المقاصة. وإنما كان ذلك كذلك ولم يحمل هذا العقد على المعنى الآخر الذي هو الفساد لأجل أن الأصل فيمن له على رجل دين، وللآخر مثله أنه لا يكلف واحد منهما إخراج ما عليه، بل الواجب المقاصة والمحاسبة بمالك ل واحد على الآخر، ما لم يمنع من اتباع هذا الأصل مانع. والمانع ها هنا اختلاف السكك أو اختلاف الآجال. ولو وقع بيع هذا عبده بعشرة دنانير من سكة منعوتة على أن يبيع له الآخر عبده بعشرة دنانير من سكة أخرى، لحمل هذا على الفساد, لأن الذي يستحقه أحدهما على الآخر من هذه الدنانير خلاف ما يستحقه صاحبه عليه. وإذا اختلفت السكك، لم تجب المقاصة إلا بالتراضي، فإذا لم يصرحا بالتراضي على ذلك، بقيا على مقتضى الأصل.

وهكذا الحكم إذا اختلفت الآجال مثل أن يبيع أحدهما عبده من رجل بعشرة دنانير إلى شهر على أن يبيعه الآخر عبده بعشرة دنانير إلى شهرين، فإن هذا فاسد, لأن المقاصة لا تجب لكون أحد الدينين يستحق على أحدهما قبل، فيلزمه إخراجه قبل أن يستحق على الآخر ما عليه لهذا من دين.

فصل

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله: والدين بالدين ممنوع إذا كان من الطرفين. والوضع على التعجيل ممنوع، وهو أن يكون له عليه كر (1) حنطة جيدة إلى أجل سنة فيعطيه قبل الأجل دون صفته، فلا يجوز لأنه وضع الصفة التي له ليتعجل له القبض، وما كان خارجا عن أصل الرفق والمعروف، فلا يقاس عليه.

قال الفقيه الإمام رحمه الله: أما هذا الذي ذكره من منع الدين بالدين، فقد تقدم ذكره والتنبيه عليه في أثناء فروع كثيرة تقدمت في كتاب السلم. والأصل فيه ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه نهى عن الكاليء بالكاليء" (2) والكاليء هو المؤخر. فكأنه قال نهى عن بيع مؤخر بمؤخر. وقول القاضي أبي محمد ها هنا: (من الطرفين) تأكيد للبيان، وإلا إذا كان المراد بذكر الدين ما يؤخر كان مقنعا قوله: الكالي بالكالي, لأن أحدهما إن كان منقودا فلا يسمى دينا، وإن كان غير منقود وهو في الذمة، فإنه يسمى دينا. ولكن يكون الدين حالا ومؤجلا، فإن كان حالا فباعه ممن هو عليه بجنس آخر مؤجل، فهو فسخ الدين في الدين، وذلك من معنى ربا الجاهلية الذي حرمه الله تعالى في كتابه على حسب ما تقدم بياننا له من الاختلاف في تأويل الآية التي نزلت في ذلك. وقد كانت الجاهلية (3) إما أن تقضي وإما أن تربى. فإذا حل أجل الدين وهو في المثل عين، فإنه إذا أخره

بزيادة فيه فهذا يحرم, لأن التأخير للدين بعد استحقاق قبضه كسلفه لمن هو عليه. والزيادة في مقدار عوض التأخير هي زيادة عوض السلف، وقد علم تحريم سلف جر نفعا. وإن فسخ ذلك في جنس آخر من دراهم أو عروض، فإن التأخير لا يقع غالبا إلا وقد زاده في مقدار ما يعطيه بعد الأجل الثاني على قيمة ما يعطيه له لو عاوضه عن دينه من غير تأخر. وهذه الزيادة في القيمة لأجل التأخير كسلف جر نفعا. وينضاف إلى هذا -إذا فسخ ذلك في دراهم- عقد الصرف على التأخير، وهو ممنوع منه.

وكذلك لو كان الدين الذي حل عروضا فسخها في عروض أخرى إلى أجل، فإنه يزيده في قيمة العروض الثانية لأجل إنظاره له وتأخيره بدينه. ولو عاوضه عن دينه المؤجل قبل أن يحل أجله بجنس آخر مؤجل إلى مثل الأجل الأول، فإن هذا يمنع أيضا لكونه فسخا لدين في دين. وقد قال بعض أشياخي: ليس هذا التحريم بمعلل, لأنا صورنا في فسخ الدين الحال في جنس آخر مؤجل إلى أنه يزيده في مقدار الثاني لأجل تأخيره الأول. وها هنا إذا كان الفسخ قبل حلول الأجل والعرض الثاني إنما يؤخذ عند الأجل الأول، فإنه لم يستحق قبض شيء فيقدر أنه أخره لأجل ما زاد في مقدار الثاني.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.