.....
) (1) البائعان على أنه ليس ثوبهما موقوفا حتى ينظر فيمن يدعيه.
وسبب هذا الإختلاف الإلتفات إلى حكم ما أتلف غلطا، فإنه إن وقع
وقوع الغلط والخطأ فيما أذن الشرع في التصرف فيه كالعمد في تلف الأموال، كمن تصرف في الطرقات التي أباح الشرع له التصرف فيها ولغيره من الناس.
فمن عثر على مال فأتلفه فإنه يضمنه، لما دعت الضرورة إلى صيانة الأموال عما لا قدرة عليه لمالكها في صيانتها.
فإذا كان الخطأ على إذن خاص وقع في هذا الإختلاف. كما اختلف المذهب عندنا فيمن أذن لرجل في دخول بيته فمر على مال فأتلفه غلطا منه.
وحسن الخلاف في هذا لكون المالك قادرا على أن يصون ماله عن هذا الذي زعم أنه أتلفه غلطا بأن لا يأذن له في دخول بيته.
وكذلك ما نحن فيه قد سلم كل واحد من المتبايعين ثوبه للمشتري بالخيار مع تجويزه أن يشتري ثوبا غيره، فيختلط عليه الثوبان. فصار كالدافع عنه بإذنه عهدة النسيان والغلط.
أو يقال: إتلاف المال غلطا كإتلافه عمدا، والبائع لم يأذن له فيما يؤدي إلى تلف ماله، فاستوى العمد فيه والخطأ، كما قلناه في الإذن العام.
وإذا قلنا بأنه يضمن الثمنين، فإن له أن يدفع الثوب الأرفع، الذي تداعى فيه البائعان لأحدهما، ويغرم للآخر ثمن الثوب، لأجل أنه لو أراد التمسك بكل واحد من الثوبين ودفع ثمنه لبائعه، لم يكن لبائعه أن يمنعه من ذلك. فإذا أسلم لكل واحد الثمن، الذي اشترى به ثوبه منه، لم يكن للبائع مقال. وكذلك إذا أسلم أحدهما ثمن الثوب صار كراض باشترائه. وإذا رد على أحدهما الثوب الجيد صار كمن فسخ البيع فيما اشتراه بالخيار.
ولو اختلف ثمن الثوبين، لكان أيضا الحكم كذلك في تخييره بين أن يغرم لكل واحد الثمن الذي عقده به، أو يضمن لأحدهما الثوب ويعطي للآخر هذا الثوب الأرفع الذي تنازعا فيه، لأجل ما ذكرناه من التعليل في كونه محكما في إمضاء الشراء أو رده.
وقد ذكر ابن كنانة أن المشتري لو قطع أحد الثوبين، وأتى بالآخر ليرده،
فأنكره البائعان، وادعى كل واحد منهما أن الثوب المقطوع هو ثوبه، أن المشتري يضمن الثمنين.
وهذا قد يحس في النفس أنه كالنقض لما أصل من كون الغلط لا يضمن به المشتري. لكن العذر عن هذا عندي أن المشتري إذا قطع الثوب، لم يكن له رده، لكونه فعل فيه ما هو رضي بالشراء والتزاما (1) له، أو فعل ما أتلف الثوب به، فلا يكون له رده.
وإذا منع الرد لأجل هذا، واستقر عليه ثمن الثوب المقطوع، وكل واحد يطالبه بثمن ما باعه منه، وهو لا يدري عين من يستحق عليه ثمن هذا المقطوع من هذين البائعين، وجب عليه أن يغرم له هذا الثمن لكونه شاكا في وجوب ذلك عليه لهذا البائع. كما نقول فيمن ادعى على رجل بمال، والمدعى عليه يشك في صدق المدعي، فإن المدعي يأخذ ما ادعاه، لكونه موقنا باستحقاق هذا المال على هذا المدعى عليه، وكون المدعى عليه شاكا، فينظر في يمين المدعي الموقن.
فإذا لم يحدث في واحد من الثوبين حادثا يكون به مختارا للشراء أو متلفا، فإنه لا سبب حدث منه يوجب تضمينه، فلا يناقض ابن كنانة بهذا.
وقد تأول بعض أشياخي عليه أنه أراد أن هذا المقطوع جهله البائعان أيضا لما تغير بالقطع ك ماجهله قاطعه. فلما تساووا في الجهالة بذلك، تعلق به الضمان. بخلاف إذا ادعى كل واحد منهما أنه يتحقق أن المقطوع له، فإن قوله: إن المقطوع لم (2) يتضمن إبراء المشتري، كما قال ابن كنانة في هذين الثوبين إذا كانا قائمين فادعى كل واحد من البائعين الأرفع من الثوبين، فإن دعواه قد تضمنت إبراء المشتري من كونه قد أمسك ثوبه، أو تعدى فيه لكونه عنده لا يضمن بالنسيان.
وهذا الذي أشار إليه بعض أشياخي من تأويل ابن كنانة قد تغني عنه الطريقة التي أريناك نحن في الإعتذار منه.
وقد ذكر ابن حبيب عن مالك في هذا أنه يغرم ثمن الثوب المقطوع، ويغرم قيمته، ويقسم هذه القيمة، وهذا الثمن، المتبايعان جميعا. كأنه قدر أن البائع إنما التزم بالقطع ثمن الثوب لكونه التزم الشراء لما قطع الثوب، فلا يلزمه إلا ثمن واحد. ولكنه لما أتلف على الآخر أخذ عين الثوب الذي باع منه، ولم يرض بالشراء منه، وجبت عليه القيمة، فوجب من هذا وجوب مطالبة المشتري بثمن وبقيمة، وقد جهل من يستحق منهما الثمن، ومن يستحق القيمة، فوجب أن يقسم جميع ذلك بينهما.