تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما إن عللنا برفع الخصام والأيمان، فإنه يحسن النهي عن هذا في السلم وفي بياعات النقود (1) -على حسب ما قدمنا. ولكن بياعات النقود (1) - لم يختلف فيها من تقدم من أصحابنا كما اختلفوا في السلم. فيطلب في السلم معنى آخر، وما ظهر فيه وجه سوى أن الطعام المشترى فيه غير معين كما يكون في بياعات النقود (1) - وإنما يعطيه طعاما من ذمته يطابق الصفة التي تواصفاها في أصل عقد السلم: فقد يعطيه أجود من الصفة التي يقضى بها عليه عند المشاحة. فإذا اطلع على النقص تجافى عنه لئلا يسترد الطعام الذي هو أجود مما له في ذمته فيقعان بذلك في الربا لأن الأخذ في السلم طعاما أجود وأقل كيلا لا يجوز. هذا حكم التصديق فيما في الذمة ..

وأما التصديق في رأس مال السلم فاختلف الأشياخ فيه. فذكر عن الشيخين أبي محمد بن أبي زيد وأبي الحسن القابسي رضي الله عنهما أنهما أجازا دفع دينار في طعام على تصديق قابض الدين دافعه في وزنه. وإنما ينهى عن دفع الدينار بغيبر وزن ولا يعرفان وزنه، فيكون هذا جهالة في الثمن. أو كبيع الدنانير جزافا. وخالفهما غيرهما ونهى عن ذلك. وما أراه إلا أنه قدر أن قابض الدنانير قد يطلع على نقص فيه (2) فيتجافى عن طلبه رجاء أن يؤخره بالسلم. وقد قال الشيخ أبو القاسم بن الكاتب في الطعام المسلم فيه: إنه لو قدمه قبل الأجل لنهي عن التصديق فيه لئلا يقعا في: ضع وتعجل. فإذا اطلع

على نقص صفح عنه لأجل تعجيل الدين قبل أجله.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: اختلف في المذهب في جواز التصديق في قيل الطعام إذا بيع بطعام آخر أو بودل به. فقال مالك: لا يجوز. وبه قال ابن كنانة. واختاره سحنون. وقال ابن القاسم وابن الماجشون: بل يجوز. واختاره أصبغ.

وسبب الخلاف في هذا أنك قد علمت ما قدمناه في كتاب السلم الأول. أن من شرط بيع الطعام بالطعام المناجزة - قبل الافتراق. وهذان إذا تراضيا على أخذ الطعام بما يقوله البائع، فإن المشتري إذا اختبره بعوإلافتراق فاطلع على نقص خاصم فيه وطلب البائع به، فيكمله له، إن ثبت النقص، طعاما، أو يرتجعه ثمنا. فقد حصل الافتراق ولم ينقطع التعلق بين البائع والمشتري، فلم يحصل التناجز عند مالك. وحصل عند ابن القاسم، لأجل أنه لو لم يفارقه حتى اكتال الطعام لصح البيع باتفاق ولم يكن قدح. فكذلك إذا صدق المشتري البائع في الكيل، فإن ذلك يحل محل مشاهدة الكيل. ولهذا لم يصدق في دعواه النقص بعد الافتراق.

وعلى هذا الأسلوب من التعليل جرى اختلاف المذهب في التصديق في الصرف في مبايعة الدنانير بالدراهم.

ومن هذا المعنى ما وقع من الاختلاف في الطعام إذا قبضه المشتري على تصديق البائع في كيله ثم أراد أن يبيعه في الحال قبل أن يغيب عليه، فإن مالكا رضي الله عنه منع من ذلك حتى يغيب عليه، وأجازه ابن القاسم. جريا من مالك على التعليل الذي ذكرناه من كون التصديق لا يقطع التعلقال في بين البائع والمشتري في هذا المبيع، لكونه يذهب به فيختبره فإذا وجد نقصا طلب به فلم يحصل القبض على التمام. ورأى ابن القاسم أن التصديق يحل محل مشاهدة الكيل، ولو شاهد الكيل وقبضه بعد أن اكتيل عليه لم يمنع من البيع وإن لم يغب

عليه، فكذلك إذا قبضه على التصديق وإن لم يغب عليه.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:

إذا دفع البائع الطعام، ووكل كيله للمشتري، وصدقه فيما يزعم أنه وجده فيه من الكيل، فإنه لا يخلو ذلك أن يكون يتأخر فيه الكيل المدة الطويلة، أو إلى غاية بعيدة يبلغها، أو يكتاله المشتري بعد مضي زمن قريب من العقد. فإن اشترط تأخير الكيل زمنا طويلا فإن ذلك لا يجوز؛ لأن الطعام في ضمان بائعه حتى يكتال. وبيع المعين بشرط أن يبقى في ضمان البائع أمدا طويلا لا يجوز. وقد قدمنا ذلك فيما مضى وأشرنا إلى علته. [وإذا اشترط الكيل إلى أمد قريب من العقد، ارتفعت هذه العلة فلم يمنع (1)]. وإن اشترط الكيل إلى أمد قريب فلا يخلو أن يشترط المشتري أنه إن وجد نقصا رجع بمقداره من المبيع، أو بمقداره من الثمن .. فإن شرط الرجوع بمقداره من المبيع، وكان ما يرجع به حاضرا عند البائع، وهو من الجملة التي باع ما قبضه المشتري منها، فإن ذلك جائز. إذ لا مانع يمنع من هذا حتى إذا لم يكن ذلك عند البائع، صار ذلك من بيع ما ليس عندك.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٠