كتاب الصلح
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
كتاب الصلح
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه في كتاب الأقضية:
والصلح ضربان: معاوضة كالبيع، فحكمه حكم البيع فيما يجوز فيه ويمتنع. وإسقاط. ويجوز على الإقرار والإنكار، وافتداء اليمين بشيء يبذله من لزمته جائز، وإن علم المبذول له أنه طالب بغير حق لم يجز له أخذه.
قال الإمام أبو عبد الله رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة (1) منها أن يقال:
1 - ما الدليل على جواز الصلح على الجملة؟
2 - وما الدليل على جواز الصلح على الإنكار على الجملة؟
3 - وما حكم الصلح على العيب مع الإنكار؟
4 - وما حكم الصلح بين الورثة في التركة؟
5 - وما حكم أخذ الأشراك في الديون؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:.
الصلح على قسمين:
صلح على إقرار، مثل أن يدعي رجل على رجل آخر بدار في يديه، أو يدعي بدين له عليه، فيقر المدعى عليه بصحة دعوى المدعي ثم يتفقان على معاوضة عن هذا الذي ادعاه المدعي، فهذا لا خلاف في جوازه. وينظر فيما يجوز منه وما لا يجوز مما تقدم في أحكام البيوع الفاسدة والبيوع الصحيحة.
وهو بيع على الحقيقة، وإنما خص بهذه التسمية لكون العوضين في يد أحد الرجلين فالدار المدعى فيها في يد المدعى عليه، والذي يبذله عنها حتى يسلمها له المدعي في يديه أيضا. وغالب البياعات مناولة يد ليد أخرى سلعة عن سلعة من الطرفين جميعا.
والقسم الثاني: الصلح على الإنكار، وهو أن يدعي رجل على رجل في يديه دار أنها له، وينكر ذلك من في يده الدار، أو يدعي بدين عليه فينكر ذلك المدعى عليه.
والأصل في جواز الصلح على الجملة -قبل النظر في هذا التفصيل والتقسيم- الكتاب والسنة.
فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ (1) ... الآية فتضمنت الحض على الإصلاح والوعد عليه بالأجر العظيم.
وقال تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا﴾ (2) الآية.
فأمر بالإصلاح في القتال.
وقال تعالى في الفروج أيضا: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير﴾ (3)
وقال تعالى في الحكمين: ﴿إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما﴾ (1).
وطلب كعب بن مالك من أبي حدرد، في حق له عليه، وارتفعت أصواتهما عند باب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فخرج إليهما وقال: ضع الشطر (2). وهذا نوع من الصلح. وخرج - صلى الله عليه وسلم - لبني عوف ليصلح بينهم (3).
وأبين من هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الصلح جائز بين المسلمين، الأصلحا أحل حراما أو حرم حلالا" (4). فأما تحليل الصلح فتبيين أمثلته: كمن صالح على دار ادعاها بخمر أو خنزير، أو غير ذلك مما لا تجوز المعاوضة به. وأما قوله: أو حرم حلالا، فمثاله: أن يصالح عن هذا الدار -التي ادعى فيها- على أمة يشترط أن لا يطأها، أو ثوب يشترط أن لا يلبسه أو لا يبيعه، إلى غير ذلك من وجوه التحجير مع ما يدخل في هذا المعنى من تحريم المحلل ..
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
اختلف الناس في الصلح على الإنكار، فأجازه مالك وأبو حنيفة، ومنع منه الشافعي. ونحن نوضح لك المعنى الذي أدى لهذا الاختلاف بعد أن تقدم لك مقدمة، عليها يعرض النظر في هذه المسألة.
فاعلم: أن إضاعة المال قد تقرر في الشرع المنع منها. كما تقرر أن حقيقة البيع نقل الملك بعوض. وأن الملك إنما ينتقل عن مالكه بأحد أمرين: إما عطية، وهو بذله بغير عوض لغرض صحيح، وهو طلب الأجر إن قصد الصدقة، أو المجازاة من الموهوب له بعوض آخر، أو بغرض صحيح ببذل المال له.
أو ينتقل الملك عن معاوضة وهي التي تسمى بيعا.
والصلح على الإنكار لا يتصور فيه حقيقة الهبة لأنهما لم يقصدا إليها، وإنما قصدا إلى المعاوضة لعوض بعوض. فإذا امتنعت الهبة ها هنا تقديرا لأجل