فصل
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في المزابنة:
والمزابنة يجمعها بيع معلوم بمجهول من جنسه، كالرطب بالتمر والعنب بالزبيب ورطب كل تمرة بيابسها، أو حب كالحنطة المبلولة باليابسة، والدقيق بالعجين؛ والحي الذي يراد للحم، كالكبش، باللحم من جنسه، والمشوي (1) (فلا يجوز) (1) والمالح بالطري والسمسم بالشيرج (2). وهذا فيما بعده (3) الربا ومنع (4) مجهول بمجهول من جنسه كصبرة بصبرة أو جزاف بجزاف، وثمرة نخلة بثمرة نخلة أخرى. وأما فيما يجوز التفاضل في بعده (3) فإن تحققت الزيادة جاز أو إن لم تتحقق دخله الحظر. ويجوز الرطب بالرطب متماثلا وكذلك البر بالبر (5) وقسمة اللحم والسمن (6) على التحري (7).
قال الفقيه الإمام رحمه الله:
هذا فصل قد تكلمنا على أكثر المسائل التي ذكرها القاضي أبو محمد في هذا الفصل للقدر الذي قدمنا من أنا توخينا ترتيب المدونة. ولكنه تكلم ها هنا على المزابنة.
فاعلم أن أصل هذه اللفظة مأخوذة من الدفع، يقال: ناقة زبون، إذا منعت من حلابها. وقال معاوية: ربما زبنت، يعني الناقة، فكسرت أنف حالبها. ويقال للحرب: زبون لأنها تدفع بنيها للموت، ومنه سمي ملائكة العذاب زبانية لأنهم يدفعون الكفرة إلى النار. ومنه سمي الرجل المغبون زبونا لأنه كالمدفوع عن وجه الصلاح له في البيع. وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن المزابنة. فذكر في الصحيح أنه عليه السلام نهى عن المزابنة. قال: والمزابنة بيع التمر بالتمر كيلا، وبيع العنب بالزبيب كيلا، وبيع القمح بالزرع كيلا (1). وهذا لأجل أن هذه الأجناس إذا بيع بمثله كيلا لم تستحق (2) المساواة إلا مع كيلهما جميعا، وإذا كان أحدهما جزافا أو هما جميعا جزافان أمكن أن يكون بينهما تفاضل. وقد قدمنا أن تحقق الربا في المنع مثل الشك فيه. فإذا كان التعاوض بما فيه الربا منع لأجل الشك في الربا، ومنع أيضا لأجل الغرر والتدافع الذي هو المزابنة، وكل واحد من المتعاقدين يقدر أنه غبن صاحبه. وهذا من الغرر والتخاطر. فإن كان هذا التعاوض مما لا ربا فيه منع أيضا لأجل التخاطر والغرر، حتى يتبين الفضل في أحد العوضين فيرتفع الخطر والغرر ها هنا عند تبين الفضل يكون أحدهما أكثر من الآخر. فإذا كان التعاوض بجنسين مختلفين انتقلت الأغراض إلى اختلاف منافع الأعواض فلم يقع التخاطر. فإذا كان العوضان من جنس واحد لم ينصرف الغرض إلا إلى القلة والكثرة. وقد قال في المدونة في آخر كتاب السلم الشاك: كل شيء لا يجوز أن يباع منهما (3) مجهول بمجهول ولا مجهول بمعلوم حتى يتبين الفضل، ولو كان ذلك ترابا. وقد عارض بعض الأشياخ هذا الذي وقع ها هنا فقال: إن بيع، ما فيه الربا محرم، يجوز إذا كان مما يكال. وهذا المنصوص عليه في المذهب، وإنما كان ذلك كذلك لأجل أن الميزان قد يتعذر في كثير من الأماكن فتدعو
الضرورة إلى العدول عنه إلى غيره، وما ذلك إلا بأن يتحرى أن يكون الشيئان يتقابلان في الوزن، وأما المكيال فلا يتعذر وجوده أو وجود ما ينوب (1)، ولو أن يكتال (2) أحدهما أو بجفنة فالعدول عن المساواة (لا من يشاهد إلى التحرز غررا) (3). من غير ضرورة تدعو إليه. ولكن هذا إنما يجوز في القليل لا الكثير، لأنه لا يضبطه التحري ضبطا يوثق به. ويشترط أيضا في جواز القليل أن يكون المتعاقدان بحيث يتعذر عليهما الميزان حتى يضطر إلى التحري. لكن ذكر في كتاب السلم من المدونة أنه أجاز السلم في اللحم تحريا، وقد بينا هناك معنى هذا التحري، والسلم إنما يقبض إلى أجل يتأخر عن العقد، ولا يعلم المتعاقدان حينئذ هل يتعذر الميزان عند حلول الأجل أم لا، إلا أن يريد إذا أمكن تصوره عند الأجل سومح باشتراط العدول عنه حين العقد، لأجل هذه الضرورة التي تترقب. ومن الناس من أبقى هذه المسألة على ظاهرها وقال: لا يجوز الاقتصار على التحري إذا تبايعا ما يجوز فيه الربا، لأنهما لا يتحفظان في التحري لاعتقادهما أنه لا إثم عليهما (4) في التفاضل. ولم يتكلم ها هنا إلا على ما يجوز التفاضل فيه، ويتكلم في إباحة التحري فيما يوزن من لحم أو خبز فيما فيه الربا، فلا تعارض بين الجوابين، وهذا ضعيف لأنهما يؤمران بالتحري ها هنا، لئلا يقعا في الغرر الذي نهى عنه بطاعتهما للأمر باجتناب الغرر لإطاعتهما للأمر باجتناب الربا. ومن الأشياخ من قال: لم يقصد بهذه المسألة التي ذكرها في آخر كتاب السلم الثالث منع بيع مجهول بمجهول إذا تحريا ذلك كما يجب، وإنما يتكلم على بيع الجزاف بالجزاف لم يقصدا فيه إلى تحري المساواة. وقد ذكرنا أن المزابنة والغرر إنما يتصور بتجانس العوضين، وإذا اختلفا انصرفت الأغراض لاختلاف الأعواض، على حسب ما بيناه، وقد حكموا ببيع المصنوع بالأصل