تخطَّ إلى المحتوى

كتاب بيع الغائب، والغرر

بسم الله الرحمن الرحيم

صلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليما.

كتاب بيع الغائب، والغرر

قال القاضي أبو محمد، رضي الله عنه:

المبيعات ثلاثة أنواع:

1 - عين حاضرة مرئية.

2 - وعين غائبة عن المتعاقدين، فيجوز بيعها على الصفة، ويجب أن تحصر بالصفات المقصودة التي تختلف الأثمان باختلافها، وتقل الرغبة وتكثر لأجلها. ولا يكتفي بذكر الجنس والنوع فقط. ولا يجوز بيعها بغير صفة إلا أن يكون على رؤية متقدمة من وقت لا تتغير في مثله إلى وقت العقد. ولا خيار للمبتاع إذا جاءت على الصفة أو على ما يعرف من الرؤية (1). إلا أن يشترطه على المشتري في ظاهر المذهب.

قال الشيخ رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة منها أن يقال:

1 - هل يجوز البيع على صفة المبيع دون مشاهدته؟

2 - وهل يجوز البيع على غير صفة ولا رؤية؟

3 - وما حكم الضمان في البيع االذي لم يشاهد؟

4 - وهل يجوز تحويل محل الضمان فيه؟

5 - وما حكم اختلافهما فيما وقع العقد عليه من صفات المبيع؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: المبيع على قسمين:

مبيع معين مشار إليه في الوجود، ومبيع موصوف في الذمة.

فأما بيع المعين المشاهد الذي أحاطته رؤية المتعاقدين فلا خلاف في جواز العقد إذ قارن ذلك الرؤية والمشاهدة. (فإن تقدمت الرؤية والمشاهدة العقد) (1) فلا يخلو أن يكون تقدم ذلك بزمن يعلم فيه تغير المبيع في مقتضى العادة أو يشك في ذلك أو يتحقق أنه لا يتغير.

فإن كان يتحقق تغيره وعقد البيع على لزومه على أي حال وجد حين القبض فلا خفاء بفساد ذلك، لكون المشتري اشترى مبيعا مجهولا.

وإن كان يشك في ذلك، ولا يدري هل هو وقت العقد على مثل ما تقدمت المشاهدة له، أو على خلاف ذلك من زياذة أو نقصان، وعقد البيع على اللزوم على أي صفة كان، فإن هذا لا يشك في فساده لكون العقد وقع على مجهول.

وإن كان يعلم أنه لا يتغير في ذاته من حين المشاهدة إلى حين العقد، فالعلماء على جواز ذلك.

لكن أبا القاسم الأنماطي من أصحاب الشافعي ذهب إلى فساد هذا العقد، ورأى أن مشاهدة المبيع حين العقد شرط في صحته وجوازه.

وهذا مذهب فيه غلو وإسراف. وقد ذكر أن أبا سعيد الأصطخري ناظر رجلا نصر مذهب الأنماطي، فقال له: أرأيت لو شاهد المشتري دارا وأحاط بها

علما، ثم خرج منها فعقد شراءها وهو قائم على بابها يجب على هذا المذهب أن يكون العقد فاسدا؟ فالتزم له هذا الرجل فساد العقد. فقال له الأصطخري:

لو كان خاتما في إصبعه فنقله إلى كله وأطبق يده عليه، هل يفسد البيع عدم الرؤية عند العقد؟ فقال: نعم. فقال له: لو عقد الدار وهو بوسطها وقد شاهد جميعها؟ فوقف له على التزام ذلك، لأنه لو التزم هذا لم يصح بيع دار ولا أرض، ولا يخفى فساد هذا لو التزمه على أحد. وعزا الأنماطي في هذا المذهب كون المذهب عندهم اشتراط الشهادة في جمقد النكاح، وإذا كانت الشهادة شرطا في صحة النكاح فإنهم يقولون: لا بد أن يقارن العقد، وكذلك الرؤية، لما كانت شرطا في صحة بيع المبيع الحاضر، وجب أيضا أن يقارن العقد ..

وهذا فرع لا يناسب أصله؛ لأن القصد باشتراط الشهادة للعقد لأنه يستحيل تقدمها له، لأنها إن وقعت على أن العقد وقع فلا يقال: تقدمت. وإن تقدمت على أنه سيفعل فيما بعد ذلك فذلك وعد بالعقد لا عقد. وإن وقعت الشهادة بالعقد بعد العقد فقد مضى زمن لم يحصل فيه المقصود من النكاح، ولا يمكن القدوم عليه وهو آمن من الحد، فلهذا اشترطوا مقارنة الشهادة للعقد من ذهب إلى هذا. وأما الرؤية للمبيع فالقصد بها كون المبيع معلوما، والعلم به يحصل على حالة واحدة سواء قارنت الرؤية العقد، أو تقدمته بزمن قريب يعلم قطعا أنه لو أعاد بصوه إليه لم يتغير منه شيء عليه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.