تخطَّ إلى المحتوى

وعلى مذهب الآخرين يقبض الذينارين ويقبض الدراهم لكون الدنانير والذراهم يصح التقابض فيهما في الإسلام وما مضى من العقد في الكفر بحيث (

........

) (1) الآثام فكأن التقابض وقع عن عقد صحيح جائز.

وهكذا ذكر ابن المواز فيمن أسلم دينارا في دراهم، ثم أسلم المتبايعان قبل قبض الدراهم، أن الدراهم تقبض.

وهكذا اختلف في نصرانية تزوجت نصرانيا، فأسلما معا قبل الدخول، وقد قبضت النصرانية الخمر قبل إسلامها. فإن أحد القولين أن الزوج لا يمكن

منها إلا بعد أن يدفع صداق المثل بناء على أن قبضها للخمر لا تأثير له، والعقد لا يجب إمضاؤه لكن كبيع فاسد فات يرجع فيه إلى القيمة، والعقد على هذا كالفوت يجب فيه الرجوع إلى قيمة البضع وهو صداق المثل. وعلى القول الآخر يمكن الزوج من الدخول بها من غير غرامة تلزمه بناء على أن العقد لا يفسخ وكأنهما تقابضا الثمن والمثمون قبل إسلامها. ولو كان المسلم في خمر ثم أسلم المتبايعان قبل قبضهما، يجري ذلك على ما أصلناه من الخلاف. فقد قال سحنون في السليمانية: ليستمسك المسلم إليه برأس المال من غير عوض يلزمه. وهذا إبقاء منه على إمضاء عقودهم الفاسدة إذا وقع الإسلام منهما بعد عقدهما، فلا يلزم قابض رأس المال أن يرفه لأن رده إلى دافعه فسخ له.

ومذهب هؤلاء أن العقد لا يفسخ لوقوع إسلامهما. لكن سحنون رأى أن الواجب لما قبض المسلم إليه رأس المال ولم يوجب عليه رده، أن يغرم الخمر التي هي عوض رأس المال الذي أمضيناه له، وهو لا يصح منه غرامتها لكونه أسلم، والمسلم لا يسوغ له شراء الخمر ليقبضها في دين، ولا يسوغ أيضا لمن أسلم فيها أن يعطاها، ولو أعطيها لأريقت عليه، فاقتضى هذا بطلانها من الذمة، وإمضاء رأس المال لقابضه من غير غرامة عليه وسلك محمد بن عبد الحكم هذه الطريقة في إمضاء العقد وكونه لا يفسخ ولم يقبض (1) بالخمر لما عللناه به من منع القضاء بها، فعدل عن ذلك إلى أن يكلف من بني عليه غرامة غرامة قيمتها عوضا عن عينها، لما استحال عنده القضاء بالعين، لكونها لا يصح ملكها في الإسلام، ورأى أن من أسلم دنانيره في خمر فيقضى بأن لا ترد إليه، ولا يأخذ عنها عوضا إضرارا به، ومخالفة لما تعاقدا عليه، فعدل إلى إغرام القيمة لرفع الضرر وطلبا للمساواة بين المتعاملين.

وعلى الطريقة الثانية في أن العقد يفسخ من أصله، يرد عليه رأس المال. فكأن هؤلاء أمروا برد رأس المال ليتحقق فسخ العقد، إذ لو لم يرد لم يكن للفسخ معنى

ورأى ابن عبد الحكم أن العقد لا يفسخ، ولكن يرد عوض ما لا يحل تملك قيمته. والقيمة عنده لا تعتبر حين العقد (1)، كانا يعتقدان جواز ما صنعا وإنما اعتقدا إبطاله لما أسلما، فتكون القيمة يوم المحاكمة لما أسلما. وهكذا اختلف أيضا في النصرانية إذا تزوجت نصرانيا بخمر، ودخل بها الزوج قبل أن يدفع الخمر، ثم أسلما. فقيل: عليه صداق المثل، بناء على أن العقد يفسخ، وترجع إلى قيمة السلعه الفائتة لعقد فاسد كما قدمناه. وقيل: لا شيء على الزوج سوى الخمر الذي بذله صداقا، وهو لو دفعه إليها لما أسلمت لأريق عليها، فلا فائدة في المطالبة به. وعلى قول محمد بن عبد الحكم يكون قيمته بدلا من عينه.

فحصل من هذا أن ما يحل تملكه فيه قولان، هل يفسخ ويقضي برد رأس المال أو يمضي ويقضي بأخذ العوض عن رأس المال على ما هو عليه؟ وإذا كان لا يحل تملكه كالخمر ففيه ثلاثة أحوال:

فسخ العقد ورد رأس المال.

وإمضاؤه وسقوط العوض الذي هو الخمر فلا يغرم لتعذر غرامته وكأنها كالمستحيلة في حق المسلمين فبطل العقد.

أو يغرم القيمة بدلا من العين التي لا تحل.

وأما إذا أسلم أحد المتعاملين وبقي الآخر على دينه. فإذا قلنا: إنه لا يفسخ العقد إذا أسلما جميعا، وقد قبض أحد العوضين، مع كونهما يدينان بدين الإسلام الذي يحرم عليهما فيه استئناف مثل هذا العقد. فكذلك إذا أسلم أحدهما مع كون الآخر تعلق له حق، وهو يعتقد أن العقد الذي فعل حلال له.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٤١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.