تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمعروف من المذهب أن هذا الحكم عندنا جار في انفراد علم المشتري بالكيل لجريانه في انفراد علم البائع به، وأن للبائع الخيار أيضا إذا اطلع على انفراد المشتري بعلم ذلك. ورأيت بعض أصحابنا حكى فيه عن بعض أهل المذهب خلافا. ورأى أن البائع لا خيار له؛ لأن الانفراد بالعلم كعيب يوجب الخيار كما قدمناه، لكون البائع أيضا إنما دخل مع المشتري على أنه يساويه في الجهالة بمبلغ المبيع. وذكر القاضي أبو محمد عبد الوهاب أن القاضي كان يعارض هذا ويراه كالممتنع في المذهب، لأجل قولهم: إن البيع يفسد إذا اشترط البائع أنه لا يذكر للمشتري ما علم، مع قولهم: إنه إذا اطلع على علمه بعد العقد كان بالخيار في الرد والإمضاء. وإذا قدروا انفراد البائع بعلم عيب يوجب للمشتري الخيار إذا اطلع عليه فإذا اشترطه في أصل العقد فينبغي أن لا يكون للمشتري مقال في صحة هذا البيع ولا في رده. كما إذا بين البائع العيب في أصل العقد.

وأجاب القاضي أبو محمد عبد الوهاب عن هذا بأنه غير ممتنع أن يكون الشيء يفسد العقد إذا قارنه ولا يفسده إذا اطلع عليه بعد العقد. كما قيل في بيع أمة مغنية: إنه إن اشترط كونها مغنية في أصل العقد فسد البيع، وإن لم يشترط ذلك ثم اطلع المشتري بعد العقد على كونها مغنية كان بالخيار في إمضاء العقد

أو رده بهذا العيب الذي هو كونها مغنية. وكذلك لو غصب سلعة وباعها ممن يظن أنها ملكه، ثم اطلع على أنها مغصوبة، فإن البيع لا يفسد ويثبت فيه الخيار الذي نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. ولو شرط البائع كونها مغصوبة، ودخل المشتري على ذلك لفسد البيع. فأنت ترى كيف كان الاطلاع على هذه الأمور بعد العقد لا يؤثر في صحته. [والاطلاع (1) عليها في أصل العقد يؤثر في صحته]. وهذا الذي ذكره رحمه الله في شراء السلعة المغصوبة وشراء المغنية.

نبسط الكلام فيه في موضعه، ونكتة الأمر فيه أن اشتراط هذا بها عددا أو وزنا، فقد علم من علم عددها مقدار ما يحصل بها من الأعواض. وعلمه بذلك ربما أغنى عن علمه بالوزن، ولم يفده العلم بالوزن شيئا، فإذا انفرد العلم بهذا، صار المشتري أيضا لم يدخل معه على أنه يعلم عددها فيعلم بذلك مقدار ما يحصل له من الأعواض، وإنما يدخل على أنه لا يعلم هو ولا البائع مقدار ما يحصل بها من الأعواض. فهذا مما ينظر فيه. كتمان ما علم من قيل الصبرة في أصل العقد يوقع في التخاطر والغرر الذي نبهنا عليه، والاطلاع على ذلك بعد العقد يدفع كون العقد وقع على غرر.

وقد قال بعض المتأخرين: إن البيع لو كان له مبلغان يباع عليهما فعلم البائع أحد المبلغين دون المشتري وبايعه على المبلغ الآخر جزافا، فإن ذلك يجوز، ولا مقال فيه للمشتري. ومثل هذا بدراهم تباع ببلد وزنا وعددا فباعها على الوزن مجازفة وهو منفرد نعلم العدد، ورأى أن المتبايعين لما استويا ها هنا في الجهل بالمبلغ الذي تجازفا فيه لم يكن في العقد قدح ولأ خيار.

وهذا الذي قاله فيه نظر على التعليل الذي قدمناه. لأن الدراهم إذا كانت يتبايع بها عددا أو وزنا، فقد علم من علم عددها مقدار ما يحصل بها من الأعواض. وعلمه بذلك ربما أغنى عن علمه بالوزن، ولم يفده العلم بالوزن شيئا. فإذا انفرد العلم بهذا صار المشتري أيضا لم يدخل معه على. أنه يعلم

عددها، فيعلم بذلك مقدار ما يحصل له من الأعواض. فهذا مما ينظر فيه.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال:

قد قدمنا أن البيع مجازفة فيه غرر رخص فيه للارتفاق ورفع المشاق. وما جرى على هذا الأسلوب يجب أن لا يوسع الغرر فيه إلا بمقدار مسيس الحاجة إليه. فإذا باع صبرة قمح منفردة أو صبرة قمح وصبرة تمر في عقد واحد وثمن متفق أو مختلف، جاز ذلك لما لمس الحاجة إليه للمجازفة في هذين المكيلين القمح والتمر. فلو أضاف إلى صبرة القمح جنسا آخر أو نوعا منها، مكيلا أو موزونا، فإن هذا فيه اختلاف في المذهب، هل يجوز ذلك أم لا؟ فمن أجازه رأى أن الغرر لم يكثر بإضافة هذا المكيل إلى هذا الجزاف. ومن منع من هذا رأى أن المكيل معلوم مبلغه قطعا، والجبزاف يظن مبلغه بالحزر. واجتماع معلوم ومظنون في عقد واحد يصير في المظنون تخاطرا لم يكن فيه إذا انفرد، مع كونهما كحكمين مختلفين. وكذلك لو أضيف إلى المكيل ثوبا أو عرضا، فإن المذهب يختلف على دولين فيه أيضا، كإضافة المكيل إلى الجزاف. وقد كنا قدمنا في كتاب السلم الأول التنبيه على إجازة ذلك في المدونة في مسألة من أسلم في شعير وثوب، وأنه أجاز في هذه المسألة اجتماع مكيل وعرض. وهذا قد وقع في كتاب ابن المواز المنع منه. وقد وقع لابن القاسم، فيمن باع صبرة على الكيل ومعها ثوب، أن ذلك لا يجوز إذا كان يأخذ جميع الصبرة على الكيل، لكونه لا يعلم مبلغها. فصار إضافة الثوب إليها يؤكد الغرر في هذا العقد. وأجاز ذلك أشهب، وهذا ليس ببيع صبرة على الجزاف ولكنها على الكيل. لكن الوقوف على مبلغ المكيلة (1) لم يتحصل فصار ذلك يثبت في العقد غررا لما انضاف إليه ما سواه. وقد قال أبو حامد الإسفراييني: لا يجوز بيع صبرة قمح على الكيل، كل قفيز بدرهم على أن يزيده قفيزا، إلا أن القفيز المشترط زيادته مقسط على سائر الأقفزة، وهو لا يعلم مبلغها؛ فصار كأنه اشترى قفيزا ومعه شيء لا يوقف على

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٨