453 - 536
1061 - 1141
الجزء الثالث
المجلد الأول
تحقيق
سماحة الشيخ محمد المختار السلامي
دار الغرب الإسلامي
تونس
دار الغرب الإسلامي
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى- 2008 م
دار الغرب الإسلامي
العنوان: ص. ب.: 200 تونس 1015
جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة للعلومات أو نقله بأى شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.
شرح التلقين
للإمام أبي عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري
الجزء الثالث
المجلد الأول
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
كتاب الحوالة
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
صلى الله على سيدنا محمد وسلم
كتاب الحوالة
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
معنى الحوالة تحويل الحق من ذمة إلى ذمة تبرأ بها (1) الأولى، ما لم يكن غرورا (2) من عيب (3) للثانية وتشتغل الثانية، ويعتبر فيها رضي المحيل والمحال دون المحال عليه، ولا رجوع فيها وإن تلف الحق إلا بالغرور.
قال الفقيه الإمام رحمه الله تعالى ورضي عنه:
يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة، منها أن يقال:
1 - ما الدليل على جواز الحوالة؟
2 - وهل يعتبر فيها رضا المحال أو المحال عليه؟
3 - وما شروط جوازها؟
4 - وما يحلها بعد إنعقادها من حدوث فلس؟
5 - أو ما يحلها من حدوث مجرد؟
6 - وما يحلها من حدوث ما يبطل الدين المحال عليه؟
7 - وهل تصح الحوالة على غير دين؟
8 - وما حكمها إذا كانت على دين قد يستقر؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
اعلم أن الحوالة مأخوذة من التحول، والحوالة بالدين قد حصل فيها هذا المعنى، وهو التحول من ذمة إلى ذمة، كما قدمناه في كتاب الضمان، أنه مشتق من انضمام ذمة إلى ذمة.
فالدين متعلق بذمتين ضم بعضهما إلى بعض.
والحوالة متعلقة بذمة واحدة، ثم يتحول عنها إلى ذمة أخرى.
والحوالة تفتقر إلى ثلاثة أركان، محيل ومحال ومحال عليه.
والأصل في جوازها السنة وإجماع الأمة.
أما السنة فما روى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مطل الغني ظلم، وإذا اتبع أحدكم على مليء فليتبع" (1) ورواه أيضا سفيان الثوري عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على غني فليحتل" (2).
ولا خلاف بين العلماء في جوازها.
وهي مستثناة من الأصول؛ لأنه قد تقرر من أصول الشريعة نهي النبي - صلى الله عليه وسلم -
عن الدين بالدين، والحوالة بيع دين بدين؛ لأن من له الدين قد باع الدين الذي يستحقه في ذمة غريمه بدين آخر يستحقه غريمه في ذمة رجل آخر، لكن لما دعت الضرورة إلى ذلك وتضمن معروف اورفقا سامح الشرع به، كما فعل في العرية، أرخص فيها وإن كانت تضمنت وجوها محرمة ذكرناها في كتاب العرية: بيع الرطب بالتمر، والجزاف بالمكيل من الطعام، والطعام بالطعام إلى أجل، لكن أبيحت لما فيها من المعروف والرفق والحاجة إليها.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
أما المحيل فلا يلزمه أن يحيل، ولا يجبر على الحوالة، ولا خلاف في ذلك لأن الحقوق متعلقة بذمته فلا يجبر على أن يقبضها من ذمة أخرى، كما لو باع سلعة معينة فإنه لا يجبر على أن يعطي غيرها، وإن كان مثلها أو أدنى منها.
وكما لو أحضر مالأوضعه بين يديه، فأراد أن يقضي منه ما عليه فقال له الطالب للدين: أنا آخذ منك من الدنانير التي ليست هي حاضرة بين يديك.
وأما اعتبار رضا المحتال الطالب للدين، فإنه أيضا يعتبر رضاه، ولا يجبر أن يتحول عن الذمة التي استحق الدين فيها إلى ذمة. كما لو اشترى سلعة بعينها فإنه لا يجبر على أن يدفع إليه مثلها أو أفضل منها. ولا فرق بين استحقاق أعيان معينة، واستحقاق ديون في ذمة معينة. وكذلك لا يجبرهم مستحق الدين على أن يأخذه (1) عوضا عنه جنسا آخر، مع أنه لو رضي بذلك لاستوفى حقه.