وحاول بعض أشياخي أن يجري في عتق هذا العبد أو هبته ما قدمناه من الخلاف في المسألة التي ذكرناها الآن وأحلناها على ما تقدم، وهي من باع عبدا آبقا دلس فيه بالإباق، فباعه مشتريه قبل أن يعلم بإباقه من مشتر آخر، فمات عند المشتري الآخر. وكأن من قال: ينتزع الثمن من البائع، يرى ها هنا ما قاله المشيخة السبعة. ومن قال: لا يكون للمشتري الآخر إلا قيمة العيب، يقول ها هنا: لا يكون له بعد العتق والهبة إلا قيمة العيب المدلس به، لكون هذا العبد قد خرج من ملكه، فيجب أن يجري فيه من الخلاف ما جرى في خروجه
من ملكه عن معاوضة. وقد كنا نحن قدمنا في تعليل هذا ما يقتضي كون هذا التخريج مما يفتقر إلى نظر.
ولو اختلفا في وجود الإباق عند المشتري فقال المشتري أبق مني فعليك رد الثمن، وقال البائع: بل أنت أخفيته لتسترجع مني الثمن، فإن القول قول المشتري. قال مالك رضي الله عنه: لأنه ادعى ما يشبه، والظالم أحق أن يحمل عليه. وهذه منه إشارة إلى كون البائع (
.....
) (1) بهذا العيب يقتضي تصديق المشتري، لكون هذا الفعل الذي ادعاه المشتري قد تقدم من العبد، وتقدمه من العبد، وكونه قد أبق، يقتضي أنه فعل ذلك الآن كما فعله فيما سلف. ولو تحققنا أنه أبق لوجب رد الثمن إذ كان البائع مدلسا. فكذلك إذا كان الظاهر أنه أبق مع كون البائع ظالما ينبغي أن يحمل عليه. كما قيل في أحد القولين فيمن اغتصب صرة فيها دنانير، أن القول قول المغصوب منه في مقدارها, لكون الغاصب ظالما، فهو أحق أن يحمل عليه.
وعلى ما قررناه في أن من دلس بعيب فهلك المبيع بسبب العيب، أن المشتري يرتجع الثمن، يجب ذلك فيمن اشترى من رجل شعيرا ليزرعة وبين للبائع أن مراده به ذلك، فزرعه المشتري وثبت أنه لم ينبت، فإن البائع يرد جميع الثمن على المشتري لكونه أتلفه عليه بغروره وتدليسه. لكن لو اشترى منه هذا الشعير، ولم يذكر له أنه يريده ليبذره، ولا تفاهما ذلك من قرائن الأحوال تفاهما يقوم مقام الاشتراط، فإن البائع لا يلزمه رد جميع الثمن، وإنما تلزمه قيمة العيب. واعتل ابن حبيب لهذا بأن الشعير قد يشترى لا لشيء واحد وقد باء البائع بالإثم إن علم أن شعيره لا ينبت فكتنم ذلك. فأشار إلى أن البائع لا يحل محل المدلس الذي هو سبب في إتلاف المبيع على المشتري, لأنه قد يعتذر بأنه قد يتحقق أنه أراده للزريعة وظن أنه أراده للأكل، فلهذا لم يوجب عليه رد جميع الثمن. فإن قيل: فلم أثمه إن علم أن الشعير المبيع لا ينبت فكتم ذلك؟
قيل: لأجل تجويزه أنه قد يريده لزراعة، فكان من حقه أن يبين هذا للمشتري لئلا يقع فيه، ويكون التأثيم من باب وجوب صيانة مال المسلم.
وقد قيل: إن الذي ذكره من الاقتصار على أخذ قيمة العيب إذا لم يعلم البائع أنه لا ينبت، إنما هذا إذا كان وجود مثل الشعير الذي لا ينبت متعذرا، وأما إذا وجد فإنما عليه رد مثله.
وإذا كان لم يشترط أنه يريده للزراعة فثبت أنه لا ينبت، فإن على البائع قيمة هذا العيب. وإن كان قد يشترى الشعير لغير شيء واحد كما قال ابن حبيب. لكن الإخلال ببعض هذه المنافع ينقص من ثمن الشعير إذا اطلع عليه المشتري.
ولو كان المبيع إنما هو من هذه البذور التي إنما تراد لتزرع، لم يفتقر إلى اشتراط المشتري كونه يريدها للزراعة. ويحل العلم بذلك محل الاشتراط في شراء الشعير أنه يراد للزراعة. فيلزم رد الثمن أيضا إذا علم البائع أنها لا تنبت فدلس بذلك فزرعها المشتري فلم ينبت.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: إذا اشترى رجل من رجل ثوبا فتصرف فيه المشتري تصرفا أحدث به نقصا، فإنه لا يخلو أن يكون ذلك النقص مما يصير المبيع كالتالف عينه، مثل أن يشتري ثوبا فيقطعه خرقا، أو مما في معنى ذلك مما لا يراد له الثوب غالبا، فإنه إذا فعل ذلك، لم يكن له إلا قيمة العيب، سواء كان البائع مدلسا أو غير مدلس. لأنه إن كان غير مدلس، فقد فات المبيع عند المشتري، فليس له إلا قيمة العيب. وإن كان البائع مدلسا، فقد فات المبيع أيضا عند المشتري بفعله وإتلافه له، فلم يجب على البائع رد جميع الثمن لكونه غير متلف للمبيع. بخلاف ما قلناه فيمن دلس بالإباق فأبق العبد فهلك، فإن البائع يرد جميع الثمن لكون تلف المبيع من سببه.