تخطَّ إلى المحتوى

فصل

اعتبار الملك للطعام الممنوع بيعه قبل قبضه.

اعلم أن الطعام يملك من طرق مختلفة. وليست كل الطرق يمنع فيها من بيع الطعام قبل قبضه، ولا كلها يباح له ذلك فيها. فوجه اتباع لفظ صاحب الشرع في هذا وهو - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" (1) فاقتضى هذا أن من ملكه، بوراثة أو هبة أو اقتراض أو من مغنم أو من صدقة، فإنه لا يمنع من بيعه قبل قبضه، إذ لو كان ذلك ممنوعا لقال "من ملك طعاما" ولم يقل "من ابتاع طعاما" وتقييد التحريم بالبيع. وهذا يتضح الاستدلال به مع القول بدليل الخطاب، مع أنا كنا قدمنا أن الشافعي منع من بيع كل شيء قبل قبضه، للحديث الوارد بالنهي عن ربح ما لم يضمن (2). ونحن خصصنا بهذا الطعام خاصة وقد تقرر أن من وهب طعاما أو ورثه فإنه غير ضامن له، والحديث يشير إلى التعليل في منع البيع بالضمان، وبسطنا هذه العلة، وقلنا: إن الطعام إذا اشتري ولم يكتل فإنه معرض للتلف، وإذا تلف انفسخ العقد، وانفساخه يتضمن أن العقد لم يحصل فصار البيع قبل الكيل فيه غرر بكونه باع ما لا يدري هل يستقر عقده عليه أم لا، ومن ورث طعاما أو وهب له فإنه لم يحصل ذلك بعد معاوضة فيكون معتبرا به الغرر في حصول الملك، مع كون التهمة في كون هذا الطعام المبيع يتحيل فيه على سلف بزيادة لا يتصور في الهبة والميراث، فروعي الغرر في عقد البياعات، ولم يراع في الهبات، وأمكن التحيل على ما لا يحل

في البياعات، ولم يمكن في المواريث والهبات، افترق الحكم في ذلك. لكن ربما منع الوارث والموهوب من جهة أخرى، وهو كونه يحل محل من صار ذلك إليه من جهته.

فإذا ورث طعاما أسلم فيه أبوه، ولم يقبضه فإن الوارث يمنع من بيعه قبل قبضه؛ لأنه إنما يورث المال على ما هو عليه، وقد كان هذا المال ممنوع بيعه قبل قبضه على أبيه، فسرى هذا الحكم إلى الولد الوارث.

وكذلك من وهب طعاما أسلم فيه أو تصدق به فإن الموهوب له هذا الطعام والمتصدق عليه يمنعان من بيعه قبل قبضه، لكون من كان ذلك الطعام له ممنوعا من بيعه قبل قبضه. لكن ذكر مالك في كتاب ابن حبيب أن الصدقة والهبة أخف، وقدر أن يد الواهب قد زالت عن هذا الطعام بالهبة ولم يبق له به تعلق، ومن صار الطعام إليه ليس بمبتاع، فلم يتأكد عنده منعه من البيع. كما فيمن اقترض هذا الطعام لأن يد المقرض باقية على هذا الطعام حتى يصير لمن اقترضه، ولو هلك قبل أن يقبضه المقترض، أو لو قبضه المقرض ثم أراد (1) لم يكن على المقرض شيء ولا مطالبة به. (فأشعر ذلك بأن يد المقرض باقية عليه حتى يقبضه المقترض، فإن قبضه المقرض ثم أراد المقرض أن يبيعه قبل قبضه لمنع من ذلك) (2)، لكونه بائعا لطعام ملك أصله من بيع ولم يقبضه هو ولا وكيله، فلا يسوغ البيع له. ووقع في الموازية (3) جاء هذا في قليل من كثير، ورأى أن القليل من هذا السلم لا يمنع مقرضه من بيعه قبل قبضه إذا كان أكثر لم يبعه حتى قبضه، لا سيما أن المقرض قد يتصور فيه أنه كالوكيل للمقترض على القبض، لأنه إنما يصير في ذمته بعد قبضه له وتمكنه منه، فصار في القبض كالنائب عن المقرض.

وقد ذكر في الموطأ بيع صكوك الجار، والمراد أنهم كانوا يكتب لهم

أعطيات في صحائف، وهي الصكوك، فيبيعونها، فنهى عن بيعها قبل قبضها لمن أعطيت له صلة (1). وهكذا رأى مالك الأرزاق التي كانت تفرض لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فيجوز بيعها قبل قبضها. لكن ما فرض للقضاة والمؤذنين فإنه يمنع من بيعه قبل قبضه لأنه في معنى عقود المعاوضة.

وهذا الكلام في الأطعمة المملوكة بعقد معاوضة مالية على الحقيقة، كمن اشترى طعاما بعين أو بعرض، فإن العرض والعين مال على الحقيقة. فأما النكاح على الطعام فإن الزوجة أيضا تمنع من بيعه قبل قبضه، وإن لم يتضح كون الانتفاع ببضعها مالا على الحقيقة، لأن الزوج لا يمكن من بيعه كما يمكن من بيع ما ليس له من منافع الرباع والعبيد وغيرهالأولكن لما منع الشرع النكاح إلا بمال ألحق بالعقود المالية. وأما الخلع فإنه أيضا يمنع فيه من بيع الطعام قبل قبضه الذي خالع عليه الزوج؛ لأنه أخرج عن ملكه منافع البضع بالطعام الذي أخذ، كما ملكته هي منافع البضع بالطعام الذي أخذت، وإن كان النكاح أوضح لكونه لا يجوز بالغرر، ويجوز الخلع بالغرر على أحد القولين.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.