تخطَّ إلى المحتوى

فصل في حماية الذريعة في البيع والسلف

قال الشيخ رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة منها أن يقال:

1 - ما حكم شراء المبيع ببعض الثمن؟ 2 - وما حكم شرائه بمثل الثمن فأكثر منه؟ 3 - وما حكم شراء المبيع ببعض الثمن وزيادة عليه من غير جنسه؟ 4 - وما حكم شراء كل المبيع ببعض الثمن وزيادة في الثمن من جنس آخر؟ 5 - وما حكم شراء كل المبيع وزيادة عليه؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: قد قدمنا أن ظاهر بياعات الآجال التي منعها مالك وأجازها الشافعي، الأصل فيها الجواز. لكن مالكا رأى في البياعات أنواعا إذا قارنت العقد أفسدته. فكل عقد ظاهره السلامة من هذه المفسدات، ولكنه اعتبر فيه إبطان هذه المفسدات وسترها، فإنه يمنع، أو يمنع منها حماية للذريعة ومخافة أن يكون المتعاقدان تحيلا بها على المحرم. كما قدمنا الاضطراب في تعليل المنع لما منعناه من بياعات الآجال. وقد تقرر أن الربا ممنوع والسلف الذي يجر منفعة ممنوع، ومثلنا ذلك بالمسائل المتقدمة، وقد علم أن من المحرمات البيع بشرط السلف. وهذا الفصل يشتمل على مسائل هي كالمثال له فيما يحيى منه. فذكر في المدونة إذا باع رجل من رجل عبدين بمائة دينار إلى شهر، ثم اشترى البائع أحدهما بخمسين دينارا أو تسعة وتسعين دينارا أو بدينار واحد على النقد لذلك، أن ذلك لا يجوز، لما يتصور فيه من التحيل بما أظهراه من الفعل الجائز على بيع بشرط السلف. وذلك أنا قررنا أن الاعتبار في بياعات الآجال أن ما استقر الملك عليه، وما بيع ثم ارتجع، فكأنه

لم يبع. فإذا علم هذا، واحد العبدين الذي (1) بيع ثم ارتجع بالشراء كأنه لم يعقد عليه بيع، بل هو باق على ملك بائعه الأول لم يخرج من يده، وإنما خرج من يده العبد الباقي بيد المشتري الذي لم يرتجعه بالشراء وخمسون دينارا، ويأخذ عوض ذلك إذا حل الأجل مائة دينار. فخمسون منها قضاء عن الخمسين التي خرجت من يد البائع، وخمسون منها ثمن العبد الباقي بيد المشتري الذي لم يرتجع منه. صار هذا محصول أمرهما. فقد تصور فيه صورة البيع والسلف لأن العبد الباقي فرضنا أنه مبيع بخمسين تؤخذ عند الأجل، وقارن ذلك خمسون دينارا أسلفها البائع نقدا، ثم تعود إليه إذا حل الأجل. وهما لو صرحا حين العقد، بأنه يبيع منه عبدا بخمسين دينارا على أن يسلفه خمسين، لمنع ذلك باتفاق. فإذا ظن بهما أن هذا قصدهما، وإن لم يصرحا به، جعل حكمه حكم ما صرح به من البيع والسلف. لكنه أغلى فيما ذكره في المدونة في هذا التمثيل لما قال: إنه اشترى العبد بتسعة وتسعين نقدا، أو اشتراه بدينار نقدا، لأجل أن هذا التعليل في السلف أو الثمن تبعد فيه التهمة، ولا يشبه أن يبيع أحد العبدين بدينار ويسلفه تسعة وتسعين، فإن في هذا غبنا ظاهرا. وكذلك لا يشبه أن يبيع العبد الذي أبقاه في ملك المشتري بتسعة وتسعين على أن يسلف المشتري دينارا واحدا. لكن هذا التمثيل بهذه المبالغة يصح على أصل أشهب المانع من شراء ثوب باعه بأربعين درهما إلى أجل ثم اشتراه بعشرين دينارا نقدا. وإن كانت التهمة على الصرف المستأخر في هذا بعيدة. وابن القاسم أجاز هذا، فينبغي على أصله أن يجيز ما ذكرناه من التمثيل الذي بالغ فيه في مسئلة العبدين. إلا أن يرى أن البيع والسلف يتكرر القصد إليه والتحيل عليه بخلاف الصرف المستأخر. فإذا تقرر منع هذه المسئلة لما تصور فيها من صورة البيع والسلف، فإن المتعاقدين لو اعترفا أنهما قصدا ما ظنناه بهما من البيع والسلف لجرى مجرى الحكم في هذه المسئلة على حكم من باع بشرط أن يسلف أو يسلف.

لكنهما ها هنا إذا أنكرا قصدهما لما ظن بهما من التحيل على ما لا يجوز، فإن

بعض أشياخي رأى أن هذه المسئلة تجري على ما تقدم من أحكام بياعات الآجال الممنوعة من فسخ الأولى والثانية على مذهب عبد الملك. ويشير إلى إجراء الخلاف فيها على حسب ما قدمناه من الكلام في فسخ ما منع من بياعات الآجال مع القيام والفوت. وقد اختلف الأشياخ في فسخ العقد في البيع (1) الباقي الذي لم يرتجعه بائعه. واختلافهم في هذا جار على ما قدمناه من طريقة بعض أشياخي في إجراء هذه المسئلة على حكم أخواتها التي تقدم ذكرها، وذكر الخلاف فيها. لكن إذا وقع البيع بشرط السلف تصريحا، فإن المشهور من المذهب أن السلف إذا أسقطه مشترطه صح البيع. فبعض الأشياخ تشير طريقته في هذه المسألة إلى أن هذه المسألة التي هي ارتجاع أحد العبدين تخالف مسألة اشتراط السلف في حين عقد البيع لأجل إنكار هذين المتعاقدين أن يكونا قصدا إليه. فبمقتضى إنكارهما، أن يكونا قصدا ذلك، أن تكون القيمة في العبد الفائت مطلقا بالغا ما بلغت، ولكن يعتبر فيها أن تكون مثل الثمن فأقل فإن كانت أكثر من الثمن، رجع إلى الثمن على حسب ما ذكرناه في المدونة فيمن اشترط في عقد البيع سلفا. ومنهم من يوافق على هذا, ولكن سلك في تعليله طريقة أخرى، فيقول: إنما يعتبر كون القيمة أكثر من الثمن أو أقل إذا كان الثمن عنها نقدا. وأما إن كان دينا أو عرضا، فالقيمة يقضي بها على الإطلاق، والثمن ها هنا دين. وغير هؤلاء من الأشياخ يرى أن الواجب إذا فات هذا العبد أن يحط من الثمن المؤجل مقدار ما ينوبه منه، ولا يقضي فيه بالقيمة على الإطلاق

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.