كتاب بيع الخيار
بسم الله الرحمان الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم
كتاب بيع الخيار
قال القاضي أبو محمد قدس الله روحه في فصل تكلم فيه على بيع الخيار، فقال:
وليس خيار المجلس من مقتضى العقد، ومجرد القول المطلق كاف في لزومه. ويجوز شرط الخيار لمن شرطه من المتعاقدين ولهما (1). ثم لمن يثبت (2) له أن يمضي أو يفسخ. ولا حد في مدته إلا قدر ما يختبر المبيع في مثله، وذلك يختلف باختلاف أنواع المبيعات، فإن عين (3) مدة تحتمل ذلك، جاز. وإن أطلقها (4) ضرب له (5) خيار المثل.
وإذا اختلفا في الرد والإمضاء. فالقول قول مختار الرد.
ويقوم الوارث فيه مقام الموروث (6).
ويحكم بالإمضاء في كل تصرف يفعله المالك في ملكه لا يحتاج في اختيار المبيع إليه، وذلك كالوطء والإستمتاع بما دونه، والإعتاق والتدبير
والكتابة، وتزويج الأمة والعبد، وغير ذلك مما في معناه. وتلفه من البائع إن كان في يده أو في يد غيرهما، ومن المشتري إن كان في يده وكان مما يغاب عليه.
قام الإمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل خمسة عشر سؤالا منها أن يقال:
1 - لم أسقط خيار المجلس مع ورود الحديث الصحيح به؟
2 - وهل بيع الخيار أصل في نفسه أو رخصة خارجة عن الأصول؟
3 - وهل يجوز الخيار لكل واحد من المتبايعين أو لأحدهما؟
4 - وهل الخيار المشترط محدود في الشرع؟
5 - وهل يجوز اشتراط النقد في بيع الخيار؟
6 - وهل للمشتري بالخيار أن يفسخ العقد والبائع غائب؟
7 - وهل يجوز عقد البيع على رجل ثالث غير المتعاقدين؟
8 - وما حكم وكيل وكل أن يشتري على البت فاشترى على الخيار؟
9 - وما الأفعال الدالة على الإجازة أو الرد؟
10 - وما حكم ولد الأمة المبيعة على خيار؟
11 - وما حكم اختلاف المتعاقدين في الخيار؟
12 - وما حكم الضمان في المبيع على خيار (1)؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: اختلف الناس في البيع بماذا، ينعقد؟ فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه ينعقد بمجرد القول، وإن لم يقع بعده افتراق. وليس لأحد المتبايعين فسخ البيع بعد انعقاده بالقول ولو كانا في مجلسهما.
وذهب الشافعي إلى أنه إنما ينعقد انعقادا ليس لأحد المتعاقدين فسخه إذا افترقا بالأبدان بعد انعقاد البيع باللفظ.
وبما قاله الشافعي قال خمسة من الصحابة رضي الله عنهم: علي وابن عباس وأبو برزة الأسلمي وأبو هريرة وقال به ابن عمر ورواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقال مالك في الموطأ: حدثني نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا إلا بيع الخيار) (1).
ورواه غير مالك عن ابن عمر وغيره. ولكن وقع في الروايات زيادات. فوقع في بعضها: (ما لم يفترقا من مكانهما)، ووقع في بعضها: (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله) (2)، وفي بعضها (ما لم يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر) (3)، ووقع في بعضها (فإذا افترقا وجب البيع).
وهذه الألفاظ التي زادها بعض الرواة قد يتعلق بها فوائد، فلهذا أوردناها. وينبغي أن نقدم الأهم وهو النظر فيما ندافع به هذا الحديث قبل أن نخوض في الأقيسة.
فاعلم أنه قد ذكر (4) أكثر الناس الخوض في هذا الحديث وتشاغلوا بالنظر في مدافعته. ولو عددناهم وذكرنا اختلاف مراميهم لاتسع الأمر. ولكن محصول ما يشترون أن مدافعة هذا الحديث يكون بوجهين:
إما ادعاء نسخه، وإما النظر في تأويله واحتماله.
وقد سلك أصحابنا هاتين الطريقتين، فزعم أشهب أنه منسوخ. وتابعه على هذا غيره من أصحابنا عبد الملك وابن المعدل، وأشار إليه أبو الفرج أيضا. وذكر أشهب أن الناسخ له قوله عليه السلام "إذا اختلف المتبائعان
استحلف البائع". فلو كان له الفسخ في المجلس، لم يكن في استحلافه إذا خولف في الثمن فائدة. وأشار مالك، رضي الله عنه، إلى هذه الطريقة في الموطأ، فذكر حديث المتبايعان بالخيار. ثم عقبه بأنه بلغه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع أو يترادان" (1). فأشار إلى ما تعلق به أشهب من هذا الحديث.