فصل يشتمل على مسائل ذكرها في المدونة
إحداها: حكم من قام بعيب والذي باع منه غائب.
فذكر في المدونة أن البائع إن كان قريب الغيبة كتب إليه فيما قام به المشتري. وإن كان بعيد الغيبة تلوم له إن رجي قدومه. فإذا لم يرج قدومه، قضى عليه أن يثبت أنه اشترى على بيع الإسلام وعهدتة، وأنه نقد الثمن.
فأشار إلى اشتراط ثبت بشروط.
أما الشرط الأول: وهو إقامة البينة على أن البيع عقد على الصحة، وعلى بيع الإسلام لا على الفساد الذي هو خلاف بيع الإسلام، فإن هذا الشرط لا يمنع من القضاء على الغائب عدم البينة التي تشهد به. لأن البائع لو كان حاضرا فزعم أنه عقد عقدا، زعم المشتري أن العقد صحيح، فإن القول قول المشتري لدعواه الصحة. وأقصى مراتب البائع أن يكون حاضرا فيدعي الفساد فلا يصدق، ويصدق المشتري وإن لم تكن له بينة تصدقه. لكن المشتري لا يصدق ها هنا إلا مع يمينه فيترقب أن يأتي البائع فيدعي أن العقد فاسد يجب فسخه ورد المعيب إليه، ولا يباع عليه. فيتوجه على المشتري اليمين، فيطلبها مثله القاضي إذا كان البائع غائبا، ويقدر أن البائع حضر فادعى الفساد، وطلب يمين المشتري، فيقف الحكم على تحليفه. كما لو أثبت رجل دينا على غائب، فإن القاضي لا يقضي له حتى يحلف أن الدين ما قضاه من هو عليه ولا أسقط عنه، مخافة أن يأتي الذي يثبت الدين عليه فيدعي القضاء، فلا يثبت القضية إلا إذا حلف قابض الدين.
فاشتراطه البينة في المدونة لينتفي بإقامتها وشهادتها عن هذا المشتري الذي رد بالعيب هذه اليمين التي يطلبها القضاة على جهة الإستظهار بحق الغائب. وإنما يجب استظهارا لأن الغائب لم يدع ذلك، فيجب كما تجب اليمين في الدعوى المحققة.
وقد أشار بعض أشياخي إلى أنها لا يطلب فيها التحليف في المسجد. بل يستحلف في مكانه لكون هذه اليمين لم تطلب، والذي طلبت من أجله لم يدعها. وأراه يطرد هذا في دعوى القضاء، ولا يكتفي بإيقاعها في غير المسجد.
لكون القضاء للديون أمرا يتكرر ويكثر، فالإستظهار عليه باليمين يتأكد. بخلاف فساد العقد، فإن الغالب عقود الصحة بين المسلمين. ولهذا كان القول قول مدعي الصحة.
وقد كنا قدمنا في كتاب السلم أن الإختلاف في الصحة والفساد إذا أدى إلى الإختلاف في الثمن، فإنه لا يكون القول قول مدعي الصحة على الإطلاق.
وها هنا قد ذكر الأشياخ أن اشتراطه في المدونة إقامة البينة، إنما اشترط ذلك لنفي اليمين لكون القول قول مدعي الصحة، مع جواز أن يأتي البائع فيدعي فسادا في العقد يتضمن اختلافا في الثمن، فلا يكون القول قول المشتري فيه.
لكن هذا أمر نادر لم يدعه البائع، فيتعلق به الحكم مع ندوره، وكون من له حق فيه لم يدعه ولا طلب به، هذا العذر عندي عن ما (1) يقدح به في التعليل الذي ذكره.
وأما الإشتراط الثاني وهو أمره المشتري بإقامة البينة على أن البيع لم يقع على البراءة من العيوب في هذا العبد الذي مثل به في السؤال. وبيع البراءة يجوز في الرقيق أيضا. فإنه أيضا إنما اشترط ذلك عند الأشياخ لينفي اليمين التي تجب على جهة الإستظهار لحق الغائب. إذ لو كان البائع حاضرا، وزعم المشتري أنه لم يبره من العيوب ولا عقد معه على ذلك، وقال البائع: بل عقدت معك على
ذلك، قالقول قول المشتري في تمكينه من القيام بالعيب إذا ظهر، لكن مع يمينه على بطلان دعوى البائع إبراءه من العيوب. فاشتراطه أيضا إقامة البينة ها هنا لنفي هذه اليمين التي تجب للإستظهار بها، كما قدمناه في الشرط. لكن الفضل بن سلمة أكد وجوب اليمين في هذا الشرط الثاني، ورآه بخلاف الأول لأجل أن البينة التي حضرت العقد إذا شهدت بصحته، فلا يؤثر قول المشتري:
إن الفساد كان بعد العقد، والبينة إذا حضرت العقد عاريا من اشتراط البراءة من العيوب، فإن دعوى المشتري أنه قد أبرأه من العيوب يؤثر في وجوب اليمين، فلهذا كان اشتراط طلب اليمين في هذا الوجه آكد منه عنده في الوجه الأول.