كتاب الاستحقاق
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
وصل الله على سيدنا محمد وسلم
كتاب الاستحقاق
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب، رحمه الله تعالى ورضي عنه، في
فصل تضمن أحكام الاستح قال:
ومن بني أرضا أو غرسها، ثم جاء مستحقها، فلا يخلو الباني أو الغارس
أن يكون غاصبا، أو مبتاعا - من غاصب، أو محيا مواتا.
فأما الغاصب فللمالك أخذه (بقلع أو بغرس) (1) أو دفع قيمته (2) إليه
مقلوعا بعد حط أجرة القلع.
وأما المبتاع من غاصب فلا يخلو أن يكون عالما بأن البائع غاصب أو غير
عالم:
فإن كان عالما فحكمه حكم الغاصب. وإن كان غير عالم فالملك لمالكه، ويدفع إلى الباني أو (3) الغارس قيمة العمارة قائمة. فإن أبي دفع الآخر إليه قحمة أرضه براحا. فإن أبى كانا شريكين بقدر قيمة اليراح براحا وقيمة العمارة قائمة.
وحكم المحيي مثل ذلك.
قال الفقيه الإمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة عشر سؤالا، منها أن يقال:
1) ما الدليل على أن مستحق الأرض يستردها ممن هي في يديه؟
2) وما الحكم فيه إذا استردها؟ هل تسترد بثمن أم لا؟
3) لو وجد من هي في يديه قد أحدث فيها حدثا، هل يمنعه ذلك من أخذ المستحق أم لا؟
4) وهل إذا مكن من أخذها يعطي الباني والغارس قيمة ما بني وغرس، قائما أو منقوضا؟
5) وما الحكم في مشتري منافع الأرض دون رقبتها إذا بني أو غرس؟
6) وما الحكم في زارع الأرض بوجه شبهة أو تعديا منه؟
7) وما الحكم فيمن بني بناء يحزم (1) في أرض لا تحزم (1)؟ أو بني ما لا حرمة له في ارض محترمة؟
8) وما الحكم فيمن كانت في يده رباع بوجه شبهة فأكراها، وحابط (2) في كرائها؟
11) (3) وما الحكم في المستحق إذا أجاز الكراء، هل للمكتري في ذلك مقال؟
12) وما الحكم في دعوى المشتري ضياع ما استحق من يديه؟
12) وما الحكم في استحقاق المعاوضة عن الدعاوي؟
13) وما الحكم في الاستحقاق إذا وقعت المعاوضة؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
ما (1) الدليل على تمكين المستحق للشيء إذا لم يكن أزال ملكه عنه، بأنه يعلم ذلك من قواعد الشرع ضرورة، كما يعلم تحريم الزنى ضرورة، من غير حاجة إلى إسناد ذلك إلى حديث يروى.
ثم لو سلكنا إثبات هذا بالاحاديث لكانت كثيرة، كقوله عليه السلام في خطبة الوداع، "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم" هذا الحديث المشهور، وقد أضيف ذلك إلى النبي عيه السلام، وذكر أنه قاله في مجمع عظيم، وهي الحجة التي (2) عقبها وحج المسلمون فيها، فلو كان الراوي لهذا كاذبا لكذبه كل من حضر.
وكقوله "على اليد أن ترد ما أخذت حتى تؤديه" (3) وكقوله "كل ذي مال أحق بماله" (4) وقوله "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" (5) وكقوله عليه السلام "من أحيي أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق" (6).
وخرج أبو داود عن عروة: "أن رجلين اختصما إلى النبي عليه السلام: غرس أحدهما نخلا في أرض آخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر
صاحب النخل أن يخرج نخله" (1)
فاقتضى مجموع هذه الأحاديث تمكين الإنسان من ماله الذي أخذ منه بغير حق مع قوله تعالى ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (2).
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
اختلفت الأحاديث في مستحق ماله الذي لم يسقط ملكه عنه وهو في يد مشتريه هل يأخذه بثمن أو بغير ثمن؟ فخرج النسائي وأبو داود عن سمرة بن جندب قال عليه السلام "من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق ويتبع البائع من باعه " (3). وخرج الترمذي إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (قضى أنه إذا وجدها في يد رجل
غير متهم، فإن شاء أخذها بما اشتراها، وإن شاء اتبع سارقه"، قال الترمذي: وقضى بذلك أبو بكر وعمر (4) وخرج النسائي أيضا "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بأنه إذا كان الذي ابتاعها من الذي سرقها غير متهم يخير سيدها: فإن شاء أخذ الذي سرق منه بثمنه وإن شاء أتبع سارقه" قال: وقضى بذلك أبو بكر وعمر (5).