تخطَّ إلى المحتوى

كتاب الرد بالعيب

بسم الله الرحمن الرحيم

صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما

كتاب الرد بالعيب

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: ومن ابتاع سلعة على السلامة فظهر (1) بها عيب يوجب الرد، فهو بالخيار بين أن يرد ويرجع بالثمن، شاء البائع أو أبى، أو يمسك، ولا شيء له: أرش ولا غيره، إلا أن يبذل له البائع الأرش. ولا يلزم في الأرش بذله ولا أخذه بالتراضي (2) ما دام رد العين ممكنا.

قال الإمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة، منها أن يقال:

1 - ما الدليل على تحريم البيع بالعيب؟

2 - وهل يمنع التدليس من صحة البيع؟

3 - وما حكم العيب إذا اطلع عليه المشتري؟

4 - وهل تختلف العقود في الرد بالعيب؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: أما الغش والتدليس في البياعات فمحرم. والدليل عليه من الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

فأما الكتاب فقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾. (3) فإذا باع سلعة وكتم ما بها، فقد أخذ ما زاد من الثمن،

وهي سليمة، على ثمنها معيبة. وفي الصحيح أنه عليه السلام قال: "لا تصروا الإبل" (1) الحديث. فنهى عن التصرية، وهي ترك اللبن في الضرع ليعظم جرمه في العين، فيعتقد المشتري أن ذلك عادتها في الحلاب، فيزيد في الثمن لأجل هذا التدليس. وقد خرج مسلم في صحيحه أنه عليه السلام مر بصبرة طعام فأدخل يده فيها فنال أصابعه بلل، فقال: ما هذا؟ فقال: يا رسول الله أصابته السماء، فقال: هلا جعلتموه على وجه الصبرة حتى يراه الناس، من غش فليس منا. (2) وقد ذكر في الحديث أنه أوحي إليه: بأن أدخل يدك فيها، فبالغ - صلى الله عليه وسلم - في التغليظ في المنع من الغش حتى أورد كلاما ظاهره إخراج الغاش من الدين.

وقد اختلف الناس في تأويل هذا الحديث، وهو قوله عليه السلام: "من غشنا فليس منا" على خمسة أقوال. فمنهم من قال: المراد به أن من غش فليس على ديننا. قال ابن داوود: هذا غلط لأن الغاش ليس بكافر.

وهذا الذي قدح به ابن داوود في هذا التأويل بعض الناس إلى أن حمل الحديث على أن المراد به: من غشنا مستحلا لغشنا، وهذا لا شك أنه يكفر به الغاش؛ لأن استحلال ذلك مع أن الشرع حرمه تكذيب للشرع، ومن كذب الشرع فهو كافر. وكان يقال في المذاكرة، فيصير هذا الإستدراك قولا ثانيا.

وقد قيل: إنه ليس مثلنا. وطعن ابن داوود في هذا التأويل، وقال: النبي عليه السلام لا مثل له. هذا الذي طعن به ضعيف، لأنه صدق في أن النبي لا مثل له منا في نبوته وعصمته وشرفه عند الله تعالى، وليس المراد بقول هؤلاء:

ليس مثلنا في ذلك، وإنما المراد ليس مثلنا في تحريم ما يحرم وتحليل ما يحل والكف عن المحرمات.

وقيل: المراد ليس منا في فعلنا وسنتنا. وأنكر ابن داوود هذا أيضا، وقال: الغش غير الغاش، وإنما ذكر في الحديث الغاش لا فعل الغاش. وهذا

أيضا قد يجاب عنه، قد يراد بهذا التأويل: الكناية عن الغاش.

وقيل المراد: ليس هو على مثل فعلنا وسنتنا. وهذا الذي اختاره ابن داوود لأجل ما قدمه من القدح في التأويلات التي ذكرناها.

وقد ذكر ابن حبيب من أصحاب مالك أن المراد ليس مثلنا ولا على سنتنا. فأنت ترى ابن حبيب كيف استسهل الجمع بين تأويلين مما قدمنا، وهما نفي المثلية والإتباع على الفعل، فدل على أن المراد بهذين متقارب. وإنما المقصود ليس على سنتنا ولا متبع لنا. كما حكي في الكتاب العزيز عن إبراهيم عليه السلام: ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾. (1)

ومعلوم أن مراد إبراهيم صلوات الله عليه بقوله: "فإنه مني لما أي على سنتي وطريقتي وهديي. وكذلك قوله عليه السلام: "من غش فليس منا" المراد به على سنتنا وهدينا.

ومما يدل أيضا على تحريم التدليس ما رواه عقبة ابن عامر الجهني أنه عليه السلام قال: "لا يحل لمسلم أن يبيع من أخيه بيعابه عيب إلا أن يبينه" (2). وقال أيضا عليه السلام في المتبايعين: "إن صدقا وبينا بورك لها وإن سكتا وكتما محقت بركة بيعهما" (3). وأما الإجماع فليس بين المسلمين خلاف في تحريم الغش والتدليس في البياعات.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.