تخطَّ إلى المحتوى

فصل

آخر

يتعلق بما ذكره القاضي عبد الوهاب ها هنا وهو قوله: كل بيع فالأصل فيه الجواز، إلا ما تعلق به ضرب من ضروب المنع.

قال الشيخ رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة منها أن يقال:

1 - هل ينقل البيع الفاسد الملك أم لا؟

2 - وما سبب الاختلاف في ذلك؟

3 - وهل ينقل الضمان العقد الفاسد؟

4 - وما الذي يفيت البيع الفاسد (1)؟.

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: اختلف الناس في البيع الفاسد، هل ينقل الملك أو لا ينقله؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنه ينقل الملك إذا اتصل به القبض وذهب الشافعي إلى أنه لا ينقل الملك ولو اتصل به القبض. وبعض أصحابنا يحكي أن مذهب مالك أنه لا ينقل الملك، ولكن نقل شبهة الملك.

إلى هذا يشير بعض البغداديين من أصحابنا. وقال بعض أشياخ القرويين: إن مذهب مالك أنه لم (2) ينقل الملك. وعول في هذا على قوله في المدونة (3) في كتاب الحبس والصدقة. فيمن باع بيعا فاسدا ثم وهب المبيع قبل أن يفوت في يد المشتري، فذكر التعليل بأن قال: بأن البيع ها هنا إذا نقض عاد الملك إلى البائع الأول فنفذت الهبة، ولو كانت الهبة بعد الفوت لم تنفذ. فاعتمد على قوله: إن

البيع إذا نقض لفساده عاد على الملك الأول، ورأى أنه لو نقل الملك، لم يعد على الملك الأول، بل يكون ملكا مستأنفا. وهذا الذي قال قد يقتضي ظاهره صحة ما تعلق به هذا من كون اللفظ يقتضي كون البيع الفاسد لم ينقل الملك.

لكنه قد يتأول فيه: إنما أراد: الملك انتقل، ولكنه انتقل عن هذا الانتقال بفسخ هذا العقد. كما يقال: إن المبيع المعيب قد انتقل الملك فيه للمشتري، ولكنه إذا رد بالعيب، كان رده بالعيب حل (1) للبيع من أصله على أحد القولين. وهذا وإن صح تأويله لأنه (2) الأظهر فيه ما قاله بعض الأشياخ. لكن قد ظهر لي لفظ آخر قد وقع في المدونة ربما كان التعلق به في عكس هذا الحد. وذلك أنه قال في كتاب العتق فيمن قال لعبد: إن اشتريتك أو ملكتك، فأنت حر. فاشتراه أو ملكه: إنه يعتق عليه إذا اشتراه شراء فاسدا. فلو كان الشراء الفاسد لا ينقل الملك، لم يعتق عليه، لعدم الشرط الذي علق به العتق، وهو: لو صح ملكه بشراء صحيح. ولكن لو علق اليمين بشرط غير هذا فقال: إن اشتريتك فضربتك فأنت حر، فإنه لا يعتق عليه إذا اشتراه ولم يضربه. فكذلك إذا قال: إن ملكتك فأنت حر. فاشتراه شراء لا يملكه به، فإنه لا يعتق عليه لعدم الشرط الذي علق به العتق. فإن سلمنا التعلق بما في كتاب الحبس والصدقة، كان المذهبان المذكوران عن أبي حنيفة والشافعي موجودين عند نافي المذهب.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: ما سبب الاختلاف في كون البيع الفاسد ينقل الملك؟ فإن له تعلقا بمسئلة أصولية هو كون النهي دالا على فساد المنهي عنه ونقضه وكونه مرفوعا من أصله، قولا على الإطلاق، وهو أصل الشافعية. وأصل الحنفية تسليم هذا إذا كان النهي يعود إلى نفس المنهي عنه.

فأما إن كان يعود إلى معنى غيره (3)، ولكنه. متصل به، فإنه لا يصير المنهي عنه مرفوعا كأنه لم يكن. ولكنه، وإن لم يرفع الأصل، رفع بعض أوصافه الشرعية.

وأما إن لم يكن النهي راجعا إلى نفس المنهي عنه، ولا إلى معنى متصل به حتى يصير كحرمته، فإنه لا يرفع الفعل من أصله ولا وصفه الشرعي المختص به.

فهذه ثلاثة أقسام:

مثال الأول منها، وهو ما يعود إلى عين المنهي عنه، بيع سلعة دم (1) أو ميتة، فإن ذلك منهي عنه. وهذا النهي لما رجع إلى العين أبطل العقد من أصله، ورفعه حتى لا يصح الملك به.

ومثال الثاني إذا باع بخمر أو خنزير، فإن الخمر والخنزير فيهما معنى المالية، ولكنهما لا يتقومان في الشريعة، ولا قيمة على المسلم إذا أتلفهما على مسلم. وكأن كونهما مما يتقومان وصف زايد على المعنى الذاتي وهو المالية، فإذا بيعت بهما سلعة انتقل بهذا العقد ملك السلعة، وبطل العقد فيهما، وصار كالثمن المستحق، فإن استحقاقه لا يمنع من كون السلعة المستحق ثمنها انتقل الملك فيها, ولكن منع النهي وصفا من أوصاف هذا العقد وهو الصحة والجواز، ولم يمنع ما يعود إلى ذاته وهو كون حقيقة البيع المعاوضة عن مال بمال.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.