تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يد البائع، فإذا أخذها, لم يحاص بدين حدث بعد العتق.

وهذه المسألة يلتفت فيها عندي إلى النظر في أصل آخر، وهو كون العتق تضمن حرية العبد، وتضمن إلزام المشتري القيمة. فهل يقدر أن لزوم القيمة تؤخر بعد العتق أم لا؟ هذا الأصل مما اضطرب فيه المذهب ولعلنا أن نبين ما في هذا الأصل من الاضطراب في موضعه إن شاء الله تعالى.

كتاب الوكالات

بسم الله الرحمن الرحيم

صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

كتاب الوكالات

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: كل حق جازت فيه النيابة، جازت الوكالة فيه، كالبيع والشراء والإجارة واقتضاء الديون وخصومة الخصم والتزويج والطلاق، وغير ذلك.

قال الإمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة، منها أن يقال:

1 - ما الدليل على جواز الوكالة على الجملة؟

2 - ومن تجوز له الوكالة؟

3 - وما الذي تجوز فيه الوكالة؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:

الدليل على جواز الوكالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة والاعتبار.

فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ (1). وهذا يقتضي التصرف في مال اليتيم. فإذا جاز ذلك بإذن من لا يملك المال حال التصرف فيه، فجواز ذلك بإذن من يملك التصرف فيه أولى وأحرى. وقد قال تعالى: ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير﴾ (2). وقال

تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة﴾ (1)، وهذه وكالة من أصحاب الكهف. وهذا وإن ثبت أنه كان في شرعهم، فشرع من كان قبلنا مختلف في تعبدنا به.

وأما الآثار فكثيرة، منها وكالته، عليه السلام، لحكيم بن حزام على أن يشتري له أضحية بدينار فاشتراها، ثم باعها بدينارين فاشترى بأحد الدينارين شاة وأتاه بها مع الدينار الآخر فقال له: تصدق بالدينار. الحديث (2). ودفع لغيره دينارا فاشترى به شاتين فأتاه بذلك فقال له: بارك الله لك في صفقة يمينك (3).

إلى غير ذلك من الآثار الكثيرة في هذا.

وقد تقرر الإجماع على جواز الوكالة على الجملة.

ومن جهة الاعتبار أن بالناس ضرورة إلى النيابة عنهم في أموالهم.

فاقتضى ذلك جواز الوكالة لأجل هذه الضرورة، كما جاز لهم التصرف فيه بأنفسهم لحاجتهم إلى ذلك.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:

كل من جاز له التصرف في الشيء بنفسه، جاز أن يتسبب (4) غيره فيه، لأجل الحاجة إلى ذلك على الجملة كما قدمناه. وكذلك حكم الوكيل في نفسه، فإنه من جاز أن يتصرف لنفسه جاز أن ينوب فيه عن غيره، ما لم يمنع من ذلك مانع. مثل العبد فإنه يعقد نكاح نفسه ولا يعقد نكاح ابنته، وهذا (5) ما أذن سيده له في التصرف في المال. وكذلك المرأة لها أن تعقد على نفسها المعاوضة على الاستمتاع، ولكن بشرط الوكيل (6)، ولا تعقد نكاح غيرها من

الإناث، إلى غير ذلك مما في معناه.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:

أما العبادات التي هي من أعمال الأبدان المحضة، فلا تجوز النيابة فيها كالصلاة والطهارة، فإنه لا ينوب فيها أحد عن غيره، وكذلك الحج، لكنه إذا أوصى به، نفذت الوصية على ما نذكره في موضعه. وعند المخالف يستناب فيه مع الحياة، على ما نفصل القول فيه في موضعه، إن شاء الله تعالى، لما كان عبادة بدنية وفيها بذل مال، والأموال تصح النيابة فيها. ولكن إذا كان ذلك مما لا يستناب فيه على ما قدمناه من مذهبنا ومذهب المخالف، فإن العذر عن ذلك كون ركعتي الطواف تبعا في هذه العبادة.

وأما الزكاة فإنها تصح النيابة فيها من مال من ينوب، ومن مال من وجبت عليه الزكاة. وإن كانت من القربات، فإنها عبادة مالية. وقد استناب النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا في نحو البدن (1) ونحرها قربة.

وأما الصوم فإنه لا تصح النيابة فيه مع الحياة. وأما مع الموت فعندنا أنه لا يصوم أحد عن أحد حيا كان أو ميتا. وقد روي في الصحيح الحديث المذكور فيه من مات وعليه صوم صام عنه وليه (2). والمخالف أخذ بها (3) على حسب ما ذكرناه في الكتاب "المعلم". وبه أخذ الشافعي في أحد قوليه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٣٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٣٤٨