تخطَّ إلى المحتوى

لكن لو قال له: اشترها بعشرة نقدأوهي لي باثني عشر نقدا، فإن ذلك أجازه في المدونة وقدر أن الدرهمين جعل على "توليه الشراء" (3). ولو قال له في هذا: وأنا أشتريها منك باثني عشر إلى شهر، للزمت للآمر العشرة، وجعل المثل لما تصور ها هنا في تأخير الربح كونه عوضا عن السلف.

فصل

في المعاوضة عن بعض العوض المؤجل مع اشتراط تعجيل بعضه وتأخيره

اعلم أن مسئلة وقعت في المدونة بفرس بيع بعرض مؤجل، ووقع بعدها مسئلة لربيعة مثل بحمار بيع، فجرى على الألسنة في تعريفها ببرذون ابن القاسم وحمار ربيعة. فأما مسئلة البرذون، فإن صورتها أن رجلا أسلم برذونا في عشرة ثياب إلى أجل، ثم استرجع الفرس أو سلعة غيره عوضا عن خمسة ثياب على أن عجلت له الخمسة ثياب الأخرى. فذكر في المدونة أن ذلك لا يجوز. واعتل بثلاث علل هي: البيع (1) والسلف، والوضيعة على تعجيل، والزيادة لأجل حط الضمان. ولكنه قال: وتدخله المعاوضة على حط الضمان دخولا ضعيفا.

وينبغي أن تعد المعاوضة بالفرس أو غيره من السلع على الخمسة ثياب، لا يخلو أن تقر (2) الخمسة الأخرى على أجلها أو يشترط تأخيرها عن أجلها أو يشترط تعجيلها قبل أجلها.

فأما إن اشترط مع هذه المعاوضة على (3) هذه الخمسة إقرار الخمسة على أجلها، فإنه لا يمنع من ذلك لفقد هذه العلل التي علل بها من بيع وسلف, لأن الخمسة إذا أقرت على أجلها لم يتصور فيها سلف، وكأن الخمسة الأخرى بيعت على إفرادها (4) بما يجوز أن يكون ثمنا لها، وهو الفرس أو غيره من

السلع، فلم يمنع ذلك، كما لو باع جملة الثياب كلها بالفرس أو غيره من السلع التي يجوز أن تؤخذ عن هذه الثياب، كما تقدم بيانه في كتاب السلم. وأما إن أخر الخمسة ثياب التي لم يعاوض منها إلى أجل أبعد من أجلها، فإن ذلك ممنوع, لأن التأخير للخمسة ثياب بعد حلولها سلف من مؤخرها. ومن له دين وأخره، فإن تأخيره سلف وكابتداء تعمير ذمة بدين هي خالية منه. فإذا تحقق في التأخير السلف وقارن ذلك المعاوضة عن الخمسة الأخرى تصور فيه البيع مع السلف، فوجب المنع. وأما إن اشترط تعجيل الخمسة ثياب، فإن في المدونة لابن القاسم المنع منه، وهو المشهور من أصل مذهب مالك وأصحابه. وذكر ابن المواز عن ابن القاسم الجواز، فقال فيمن أسلم ذهبا في عبدين، ثم أخذ عبدا مثل أحد العبدين المسلم فيهما وعرضا معه: إن ذلك جائز. مع كون أحد العبدين لما عجل وعوض عن العبد الآخر بالعرض المدفوع مع العبد تصور فيه البيع والسلف.

وسبب الاختلاف في هذا دون ما تقدم من القسمين الأخيرين أن الذمة مشغولة بالعشرة ثياب، ولكن لا يستحق قبضها إلا عند حلول الأجل. فمن رأى أن ما في الذمم من الديون الآجلة كالديون الحالة (1) لم يقدر ها هنا سلفا عجله من عليه الثياب لمن أسلم إليه على جهة السلف منه له ليقبضه من نفسه إذا حل الأجل، واستحق من عجل له الثياب قبض الخمسة لما حل الأجل. ومن رأى أن الدين المؤجل لا يقدر أنه كالحال، فإن التعجيل سلف يؤخذ قضاؤه إذا حل الأجل، ويسقط عن ذمة المسلم إليه إذا حل الأجل، أنه كوكيل أجنبي وكله المتسلف للخمسة ثياب على قبضها ودفعها عنه لمن له عليه مثلها.

وقد اعتمد حذاق الأشياخ على صحة التعليل بتقدير البيع والسلف كما صورناه لك (2). واستضعف ذلك بعض أشياخي ومال إلى ما في كتاب ابن المواز، فلم يقدر ذلك سلفا كما قدره في المدونة، إذ لو قدر سلفا لوجب أن لا

يكون المسلم إليه أحق بالثياب التي بقيت عليه من غرماء المسلم (1)، لكون ما في ذمته كأنه باق على من عجلت له الثياب حتى يحل الأجل، فيقضي ذلك عنه. وهذا الذي اعتل به بعض أشياخي غير لازم, لأنه لما عجل هذه الثياب على جهة السلف الحال بها على نفسه واستحق بها ما في ذمته، وهو حائز لما في ذمته، فكان أحق بذلك من الغرماء، كما يكون أحد الغرماء أحق بما أحيل عليه أو قبضه رهنا. وهذا التعليل بوضع (2) لأجل التعجيل أو زيادة لأجل إسقاط الضمان. فإن الشيخ أبا إسحاق استضعف هذا وقدح فيه بأن المعاوضة بالفرس أو سلعة غير الفرس عن جملة العشرة ثياب لو وقعت قبل الأجل، لم يمنع ولم يعتبر أحد من أهل المذهب كون السلعة أو الفرس دون قيمة العشرة ثياب أو أكثر من قيمتها، فكذلك لا تعتبر القيمة في المعاوضة عن الخمسة ثياب، إذ لا فرق بين المعاوضة، عن كل الدين أو عن بعضه. واستشهد على هذا بأن مالكا رضي الله تعالى عنه لما سئل عمن له ثياب، فأراد أن يضع من عددها بشرط تعجيل البقية. قال: أنا أدلك على ما هو خير، خذ بها عرضا. فأشار ها هنا إلى أن أخذ العرض عن جملة الدين لا يمنع وإن قصد به المسامحة لأجل التعجيل. وهذه الرواية التي اعتمد عليها الشيخ أبو الحسن (3). وقد وقع لمالك أيضا مثلها، فقال فيمن له عشرة دنانير مؤجلة فأراد الاستعجال بحطيطة منها فعدلا عن ذلك، لما لم يجز، إلى أخذ عرض أنه لا بأس به؛ لأنهما أخطئا في القول وأصابا في الفعل. وأنكر بعض الأشياخ هذا الذي أشار إليه أبو إسحاق لأجل أن الدين كله قد بيع جميعه بعرض، ولم يتعجل بشيء من جنس الدين فتتصور فيه مسامحة لأجل التعجيل أو زيادة لأجل سقوط الضمان، وها هنا قد عجل بعض الدين (ولم يكن تعجيله لأن ما قارن ذلك معاوضة، صح

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.