تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصل

ذكر القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى فصلا في المزابنة وعددها، وذكر فيما عدد فيها الحي الذي يراد للحم كالكبش باللحم من جنسه.

قال الإمام رضي الله عنه (1).

يتعلق بهذا الفصل أربع مسائل منها أن يقال:

1) ما جملة مذاهب الناس في هذه المسألة؟

2) وما الظواهر الواردة فيها؟

3) وما علة المنع؟

4) وما الشروط المذكورة في المنع؟

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:

اختلف الناس في جواز بيع اللحم بالحيوان؛ فأجازه أبو حنيفة وأبو يوسف على الإطلاق.

ومنعه الشافعي والليث على الإطلاق.

ومنعه مالك إذا بيع اللحم بحي من جنس أصله، وإن بيع بغير جنس أصله أجازه.

ومنعه محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة إذا كان اللحم المعاوض له مثل مقدار ما في الحي من اللحم فأقل، وإن كان مقدار اللحم أكثر من مقدار لحم الحي حتى تكون هذه الزيادة عوض (2) وغيره جاز ذلك.

وهذه المذاهب التي ذكرناها في حيوان يجوز أكل لحمه، فأما ما لا يجوز أكل لحمه، كالحمير والخيل والبغال، فإن مالكا لم يمنع بيعه باللحم إذا كان من جنسها كالخيل والبغال والحمير. وذكر (1) أكل لحمه كالهر والثعلب والضبع فإن مالكا كره بيعها باللحم إذا كان من جنسها. فبعض المتأخرين يرى أن نفي التحريم في هذه القوة (2) الاختلاف فيها، ولكنه قدح في هذا التعليل بأن مالكا أجاز بيع الفرس بلحم من جنسها، مع ما في الفرس من الاختلاف.

وبعضهم يرى أن الهر والثعلب والضبع مما تأكله الأعراب، فصارت مما تراد للأكل فمنع بيع الحي منه باللحم من جنسه مع كونه (3) منفعة فيه، والخيل والبغال والحمير لم تجر العادة بأكلها مع أبي فيها منافع، وهي المقصودة منها كالحمل عليها وغير ذلك من ضروب الانتفاع بها. وقد ذكرنا مذهب أبي حنيفة.

وذكر بعض المتأخرين عن أشهب أنه مال إلى مذهب أبي حنيفة، قال: وأحسب أن هذا المذهب رواه عنه البرقي، والمعروف عنه خلافه.

وأشار بعض الأشياخ إلى تخريج مذهب أبي حنيفة من بعض الروايات عندنا، وذلك أن ابن المواز ذكر عن مالك أنه كره بيع الشاة الشارف والكسير باللحم، ثم أجازه بعد ذلك. وقال ابن المواز: بل لا خير فيه، وبيعها باللحم أحرم من بيعها بالحية، وكل لا خير فيه.

وقد علم أن بيع اللحم باللحم لا يجوز إلا متماثلا. وقد اختلف قوله في هذه الشاة الموصوفة وما ذاك إلا لكونه رآها كالصحيحة، ولو رآها كاللحم لم يختلف قوله في المنع منها، ولكنه تردد في هذا الترجيح، وقال: يمكن أن

يكون بين الفضل ما بين لحم الشاة واللحم الآخر (1) ارتفعت فيه المزابنة فلهذا أجازها، ويمكن أن يكون أراد لحم شاة اللحم تحريا، فتارة رأى أن التحري لا يوثق به فمنع، وتارة رأى أن التحري ها هنا يوثق به فأجازه.

هذا ضابط المذهب على طريقة المغاربة. وأما على طريقة البغداديين فإنهم يرون أن المنع من بيع اللحم بالحيوان إنما يتوجه إلى حيوان إنما يراد للحم، كالشاة المعلوفة التي تراد للذبح، والمدقوقة العنق والشارف. فأما إذا كان الحي لا يراد للذبح فإنه يجوز بيعه باللحم الذي من جنسه. ذهب إلى هذا منهم أبو بكر الأبهري، ورأيته يشير في كلامه هذا إلى أن العلة في النهي الوارد عن هذا، المزابنة، وهي إنما تتصور إذا كان الحي لا يراد إلا للذبح حتى يصير في حكم اللحم، فتتصور في ذلك المزابنة (وهي بيع مجهول بمجهول من جنس واحد) (2). وهذا مسلك القاضي أبي محمد عبد الوهاب في الكلام الذي نقلنا عنه؛ لأنه أورده في فصل ذكر فيه المزابنة وعد فيها اللحم بالحيوان وهكذا وقفت لإسماعيل القاضي على كلام يشير فيه إلى هذا، فقال: إذا كان الحيوان شارف اأو مدقوق العنق صار بيعه باللحم من الخطر والغرر؛ لأنه أخذ الحي على أنه إن نقص عن مقدار اللحم الآخر عليه، وإن زاد فله. وإن كانت الشاة لا تراد للذبح بعدت التهمة إلى القصد في المزابنة ووكل الناس إلى أمانتهم فيها، فإن قصدوا المزابنة في ذلك منعوا. وهكذا ذكر ابن القصار، فقال: إنما منع شيوخنا بيع اللحم بالحيوان إذا كان الحيوان إنما يراد للذبح، كالشاة المعلوفة للهراس (3) والجزار؛ لأنها إذا كانت كذلك فبيعت صار ذلك في معنى بيع الرطب بالتمر.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٠٤