تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لذلك من العدول مما نفى (1) عنه تهمة الخيانة في الثمن، أو النقص في الاجتهاد. وأسقط أشهب، فيما رواه عن مالك، عنه المطالعة في رهن يخشى فساده إن أبقي للمطالعة.

فإن وكل الراهن وكيلا على البيع في أصل الرهن، فلا يخلو أن يكون هذا الوكيل هو العدل الذي تراضيا بوقف الرهن على يديه، أو هو المرتهن نفسه فإن كان الوكيل على بيع الرهن هو العدل الموقوف ذلك على يديه، فإن ذلك جائز عند فقهاء الأمصار. وإن كان الوكيل هو المرتهن، فقال ابن القصار وغيره من البغداديين: يجوز ذلك عند مالك رضي الله عنه، وإليه صار غيره من البغداديين، وهو مذهب أبي حنيفة.

وذهب الشافعي إلى منع كون المرتهن وكيلا على البيع، ولم يجز اشتراط ذلك.

وقد روي عن مالك أنه لم يبح للمرتهن بيع هذا الرهن الذي جعل بيعه إليه إلا بعد مطالعة الحاكم إن لم يرض الراهن بالوفاء بالشرط، وامتنع من ذلك، ولم يفرق بين كون الرهن له قدر وبال، أو كونه حقيرا لا قدر له ولا بال، ولا كونه بيد المرتهن أو بيد عدل. لكنه، في هذه الرواية, رأى أنه، وإن كان منهيا عن ذلك، فإنه إذا باعه بنفسه من غير مطالعة وأخذ بموجب الشرط نفذ بيعه. وروي ذلك عن ابن القاسم أيضا أد ذلك إنما يجوز له في الرهبان المحتقرة التي لا قدر لها ولا بال، وأما ما له قدر وبال من الرهبان فإنه يفتقر في بيعه إلى استئذان الحاكم وأمره به، فإن لم يفعل فإن بيعه يفسخ ما لم يفت. واختلف قول ابن القاسم في فسخه، كاختلاف قول غيره، كما حكاه عنه، لكونه انفرد بأن قال عن نفسه: ما لم يفت، فإن فات كان فيه الأكثر من الثمن أو القيمة.

وقد ذكرنا أن البغداديين من أصحابنا أجازوا له الأخذ بهذا الشرط، وأن ينتفع من غير مطالعة، فصار المحتقر من الرهبان ينفذ البيع فيه دون اعتبار الفوات بغير خلاف عندنا، وإنما خالف فيه الشافعي، وما كان له قدر وبال من

الرهبان ففيه قولان: هل يفوت بالعقد (1) ولا يفوت بمجرد العقد، (ويعتبر فيه

الفوات مع المرتهن عن ذلك ابتداء إلا ما حكيناه عن أصحابنا البغداديين (2) ورأيت ابن القصار ما رواه عن مالك من جواز اشتراط كون المرتهن وكيلا على البيع، على أنه إنما نهي عن ذلك استحبابا، وقد ذكرنا عن الشافعي أن ظاهر مذهبه منع ذلك إيجابا. ولعل ابن القصار لما رأى قول مالك: إنه يفتقر المرتهن إلى مطالعة الحاكم، فإن لم يفعل نفذ بيعه، اعتقد من هذا أن نفوذ البيع يدل على أن يمينه (3) على جهة الاستحباب.

ويمكن، عندي، أن يكون إنما نفذ البيع بمجرد العقد مراعاة للخلاف.

وقد حكينا عن أبي حنيفة أنه يجيز ذلك وقد وقع في كتاب البيوع النهي عن عقود، وأمضاها إذا عقدت، كما تقدم ذكره هناك.

وإذا تلخص ما ذكرناه من المذهب في جواز هذا الاشتراط أو النهي عنه، فهل للموكل أن يسقط هذه الوكالة، ويعزل وكيله عنها؟

ذكر ابن القصار، فيمن وكل العدل الموقوف بيده الرهن على بيعه أن ليس ذلك من حقه، وذكر أنه رأى إسماعيل القاضي يشير إلى ذلك. وبعض أشياخي يرى أن البغداديين المجيزين لهذه الوكالة يمنعون الراهن من عزلة الوكيل، وأن مقتضى مذهب مالك وابن القصار، فيما حكيناه، فيما يمكن الراهن من عزلة هذا الوكيل. وذكر ابن القصار، في الرهن إذا كان موقوفا على يد عدل، أن الراهن يمنع من عزلة العدل عن وكالته على بيع الرهن عند الشافعي، وأن إسماعيل القاضي يشير إلى هذا، على حسب ما حكيناه عنه.

ولكن ذكر ذلك في العدل، ولا فرق في هذا الحكم بين أن يكون الرهن بيد عدل، واشترط أن للعدل بيعه، أو بيد المرتهن واشترط أن للمرتهن بيعه.

واعلم أن نكتة الخلاف في هذه المسألة راجع إلى أن الأصل جواز هذه الوكالة، والوفاء بالشرط، كما ذكره ابن القصار عن مالك، وعن أبي حنيفة.

وإنما عدل الشافعي عن هذا الأصل إلى أنه رأى أن هذه الوكالة للمرتهن تشتمل معنيين متنافرين متضادين، فمعلوم من جهة العادة أن الراهن يحرص على الاستقصاء في بيع الرهن، والمطاولة في الاجتهاد والنداء عليه، والمرتهن يحرص على ضد ذلك مق سرعة بيعه ليأخذ حقه منه. وإذا كانت الوكالة تشتمل على معنيين متنافرين بطلت في نفسها. وقد ذكرنا عنه أنه يبيح هذا الشرط في العدل الموقوف على يديه الرهن: أن يجعل البيع إليه، وما ذاك إلا لزوال هذه العلة في العدل, لأنه لا غرض له في الاستعجال كغرض المرتهن، فلا يتهم في التقصير في غرض الراهن والاجتهاد فيه، بخلاف المرتهن، ألا ترى أن من وكل وكيلا على بيع سلعة فإنه يمنع أن يشتريها لنفسه, لأنه يتهم على أن يشتريها برخص، وصاحب السلعة يحب أن تباع له غالية، فلما تنافر قصدهما منع الوكيل من أن يشتري لنفسه. وأجاب ابن القصار عن هذا بأن الوكيل إذا اشترى لنفسه، وظهر أنه اجتهد وانتفت عنه التهمة، فإن شراعه ماض.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٨٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٨٤٣