وقد تكلما نحن في كتاب الوكالات على حكم شراء الوكيل لنفسه، وانفصل عما رآه الشافعي من تهمة المرتهن في هذا البيع بأن الراهن قد رضي بهذه التهمة. ودخل عليها، فلو وهبه الرهن لم يمنع من ذلك، فكيف إذا اتهمه بأن يحابي نفسه! ذلك أحرى أن يلزم رضاه به. وذكر أن هذا مثل قول الناس: رضي الخصمان وأبى القاضي.
فهذه النكتة التي عول عليها الشافعي، وإن عول على أن هذه الوكالة فيها خطر لنقلتها (1) يكون الراهن لم يأت عند الأجل بعد (2) الرهن، فلمن بيده الرهن بيعه والخطر لا يجوز. قيل له: فإن الوصية جائزة بشرط أن يموت
الموصي، ولا يدرى متى يموت.
وأما ما حكيناه عن مالك وابن القاسم من افتقار هذا الوكيل إلى مطالعة الحاكم فإن أشهب أشار في روايته عن مالك: أن الوكالة على هذا البيع بمحض الاختيار، كوكالة رجل آخر على بيع سلعة، لكنها لضرورة ما عليه من الدين، فقد يكون الرهن مما يشح عليه. ويكره بيعه، فلا تنبغي المبادرة إلى إخراجه من ملكه إلا بعد مطالعة الحاكم. إلى هذا المعنى أشار غير أشهب، قال: فإن أمد اشتهار السلع في المبيعات تختلف باختلاف أجناسها في مقتضى العادات، وليس أمد بيع الحيوان كأمد بيع الديار، فلهذا افتقر إلى مطالعة الحاكم ليجتهد.
وأما تمكين الراهن من عزلة العدل الموقوف بيده الرهن عن بيعه بعد أن جعل ذلك إليه، فقد ذكرنا ما فيه من الاختلاف، فكأن من جعل للراهن أن يعزل الوكيل عن هذه الوكالة أجرى ذلك على الأصل في أن للموكل أن يعزل وكيله.
ومن منع ها هنا العزلة فكأنه رأى أن هذه الوكالة قد تعلق بها حق لمن استوثق بهذا الرهن، والعزلة عن هذه الوكالة قد تضر به، ويحدث عنها مطاولة في قضاء حقه، فلهذا منع من العزلة.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
مذهبنا أن من باع مال غيره بوكالة مق صاحب المال، أو وصية وصاه على ذرية، فباع عليهم، أو أب باع علي بنيه الصغار، أو حاكم باع على مفلس أو يتيم أو غائب، أو أمين حاكم، فإن جميع هؤلاء لا عهدة عليهم عندنا، وعند الشافعي. وأوجب عليهم العهدة أبو حنيفة لكنه استثنى من هؤلاء الحاكم وأمينه لأجل أن إثبات الشيء إذا أدى إلى سقوط وجب أن يمنع ذلك.
والحاكم لو جعلنا علمه عهدة فيما باعه على يتيم أو مفلس، لكان إذا وقع استحقاق أو مطالبة برد الثمن فهو يكون الخصم فيها، ويدافع عن نفسه لئلا يضمن، وإذا كان خصما لم يجز حكمه وإذا لم يجز حكمه لم ينفذ بيعه وحكمه
بإمضاء البيع، فلهذا استثنى الحاكم وأمينه.
وعندنا، نحن، أن جميع هؤلاء لو أوجبنا عليهم العهدة والضمان لم يدخل أحد في قبول وصية، أو قبول وكالة، أو بيع على غيره، بحكم الأبوة أو بحكم ولاية القضاء، وكل ما أدى إلى أصك فساد من أصول الشريعة، وإلحاق ضرر عظيم بالناس، وجب أن يمنع. وهذا بسطناه في موضعه.
وإذا أوجب أبو حنيفة الضمان على من ذكرنا، فإنه إذا وقع استحقاق، ووجب للمشتري الرجوع بالثمن، فعندنا أنه إنما يرجع بالثمن على مالك السلعة التي بيعت عليه. وعند أبي حنيفة أنه يرجع بالثمن على العدل الذي باع الرهن، ويرجع هذا الوكيل البائع للرهن على المرتهن الذي تسلم ثمن هذه السلعة.
وهكذا عندنا نحن إنما يجب الرجوع إذا وقع استحقاق على المرتهن الذي قبض ثمن السلعة التي بيعت في دينه. وكذلك الحاكم إذا باع على مفلس، وأخذ غرماؤه ثمن سلعته، ثم وقع استحقاق، فإن الرجوع عندنا وعند أبي حنيفة على الغرماء الذين قبضوا الثمن. وعند الشافعي أن الرجوع في الاستحقاق بثمن السلعة، التي قبض ثمنها الغرماء، على المديان الذي بيعت عليه السلع لأجل الغرماء القابضين للثمن. فنحن وإياه نتفق على أن لا عهدة على من ذكرنا، من وصي أو وكيل أو حاكم، ولكن الرجوع، إذا وقع الاستحقاق، عندنا على من قبض الأثمان، وعنده على من بيعت عليه. وتوجيه ذلك في موضعه.