ورآه بخلاف أحكام البيوع، في المشهور من المذهب عندنا، وما ذاك إلا أن أصل قبضه على معنى الرهبان لا على معنى البياعات الفاسدة. وقد علم أنه قبل حلول الأجل إنما يضمن ضمان الرهبان، فكذلك بعد الأجل لا تجب فيه القيمة إلا حين أفاته قابضه، فيصير كالرهن إنما يغرم قيمة المرتهن يوم أفاته، فكأنه رأى أن تبديل النية وتغيرها فيما قبل الأجل، وبعد الأجل لا يجري مجرى القبض الحسي في البياعات الفاسدة. هذا الذي يمكن عندي أن يوجه به ما قال.
وقد ذكر ابن المواز أن المشهور من المذهب في هذه المسألة أنه يضمن بقيمته يوم حل الأجل. قال: وقد قيل: يضمن قيمته يوم الفوت.
ولكنه لم يصرح بحقيقة الفوت، هل من فعل قابض هذا الرهن إذا هو فوت الرهن (1) من قبل الله سبحانه. فإن كان أراد أن الفوت من قبل قابض هذا الرهن، فهو الذي حكيناه عن المبسوط. وقد ذكر ابن عبدوس عن ابن عبد الحكم أنه يغرم قيمته يوم الفوت، وقيل: يوم حل الأجل. فإن كان هذا الرهن المشترط فيه هذا الشرط الفاسد موقوفا على يد عدل، وحل الأجل وهو في يديه، فإن المذهب على قولين، هل يضمنه دافع الدين يوم حل الأجل أم لا؟ فكأن من رأى أنه لا يضمنه دافع الدين عند حلول الأجل إذا كان الرهن في يد عدل قدر أنه لم يحصل لدافع الدين إلا إذن مالك الرهن لدافع الدين بقبضه من يد العدل، وإذنه كلا إذن لما أذن بما لا يجوز، وأمر بما نهى الله سبحانه عنه، فصار دافع الدين لم يحصل منه القبض، وإنما حصل منه التمكين من القبض، وهو تمكين لا يسوغ، وما لا يسوغ فكالعدم، فلهذا لا يضمنه. بخلاف إذا حل
الأجل، وهو في يده، فإن تجدد نية أخرى تصيره كمن استأنف قبضا لمبيع بيعا فاسدا، ولهذا قال بعض الأشياخ: إن مذهب ابن القاسم في البيع الفاسد أن مشتريه لا يضمنه ما دام في يد البائع، ولو كان البائع مكنه منه فإن تمكينه لا حكم له لما كان منهيا عنه. فلا يلزمه على هذا أن يقول في هذه المسألة: إن الرهن إذا كان على يد عدل فإنه لا يضمنه المرتهن بحلول الأجل, لأن الذي حكيناه عن ابن القاسم، في تمكين البائع سلعته بيعا فاسدا، إنما حصل منه التمكين والسلعة في يد بائعها، فكان بائعها أحق بضمانها، وفي مسألة الرهن إذا كان على يد عدل مكن الراهن من الرهن المبيع بيعا فاسدا، فيحسن ها هنا أن يقول: إن مشتريه شراء فاسدا يضمنه بالتمكين، لما لم يكن هذا التمكن (1) منه في يد بائعه، وكأن الأجل، لما حل، صار هذا العدل وكيلا للمرتهن خاصة، ويد الوكيل كيد موكله، ولو قبضه مشتريه لضمنه، وكانت قيمته يوم القبض، وكذلك إذا قبضه وكيله.
قال الفقيه أبو عبد الوهاب رحمه تعالى ورضي عنه:
وإذا حل الحق، (2) وتعذر أخذه من الغريم باعه الوكيل على المرتهن، واستوفى المرتهن حقه من ثمنه، من كير حاجة إلى إذن حاكم.
ويجوز أن يكون المرتهن وكيلا في بيعه، وليس للراهن فسخ الوكالة. فإن لم يكن له وكيل (3) فإن المرتهن يثبت حقه ورهنه (4) عند الحاكم.
قال الفقيه الإمام رحمه الله تعالى ورضي عنه:
يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة، منها أن يقال:
1 - ما حكم وكالة الراهن المرتهن على بيع الرهن أو وكالته لعدل وقف الرهن على يديه؟
2 - وهل لكون العهدة على العدل إذا باعه؟
3 - وممن يكون ضمان المشترى إذا تلف في يد العدل؟
4 - وهل يجوز اشتراط منفعة الرهن؟
5 - ما هو الحكم في تسليم الرهن لأحدهما قبل المفاصلة (1).
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
قد تقرر في أصل الشرع أن ملك الإنسان لا يباع عليه إلا بعد ثبوت سبب يوجب بيعه عليه بغير اختياره. والذي تعلق حقه بالرهن توثقا به ليستوفي دينه منه لم يملك بذلك عين الرهن فيكون له بيعه، وإنما ملك استيفاء دينه، وبالإجماع إذا فك الراهن الرهن، ودفع الدين الذي عليه لمن استحق التوثق بالرهن، فإنه يأخذ رهنه، ولا يمنع منه. فإذا كان الأمر كذلك، وحل أجل الدين، وكان الراهن حاضرا ولم يوكل أحدا بحكم بيعه، فلا خفاء بأن مطالعته واستئذانه في البيع واجب، فهو حق من حقوقه لجواز أن يشخ على خروج الرهن من يديه ويدفع من عنده ما هو رهن به، أو يتسلف عليه من رجل آخر ما يفك الرهن به، فإن طالعه على ذلك، ولم يفك الرهن أو أظهر العجز عن فكه، أمر ببيعه وهو بيد المرتهن، أو بيد العدل، ويمنع من رجوعه إليه. فإن لذ وامتنع باعه القاضي عليه. ولم (2) يكن حاضرا لافتقر من بيده الرهن إلى مطالعة الحاكم، إلا أن لكون مطالعة الحاكم مما يتعذر ويشق فإنه إن تولى البيع، وأبدى العذر، نفذ بيعه، على ظاهر ما قال أشهب. ولكن المختار أن يحضر